Arab
أعلن رئيس الوزراء السلوفيني الحالي، روبرت غولوب، مساء الأحد الماضي فوزه في الانتخابات. ومع فرز أكثر من 99% من الأصوات، كانت النتيجة متقاربة للغاية بين حزبه "حركة الحرية" الليبرالي الاجتماعي وحزب الديمقراطيين السلوفينيين بقيادة الشعبوي اليميني يانز يانشا. وحصل حزب غولوب على نحو 28.6% من الأصوات (29 مقعداً من أصل 90)، بينما في انتخابات 2022، حصل على 41 مقعداً، مقابل 27.9% (28 مقعداً) لحزب يانشا، ما يجعل تشكيل حكومة مستقرة مهمة صعبة، إذ لا يملك أي طرف أغلبية واضحة.
وتبدو سلوفينيا، في قلب أوروبا الوسطى، دولة هادئة ومستقرة، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، منذ عام 2004. اقتصادها متماسك نسبياً، ونظامها الديمقراطي راسخ، لكن هذه الصورة المستقرة لا تعكس الواقع بالكامل. وتتصاعد خلف الهدوء الظاهري، الاحتجاجات الشعبية وتزداد حالة الاستقطاب السياسي، لتكشف أزمة ثقة عميقة بين الحكومة والمواطنين، وانقسامًا حادًا حول مستقبل البلاد بين تيارين متعارضين: أوروبا الليبرالية والانفتاح، من جهة، والشعبوية القومية اليمينية على غرار تيار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من جهة أخرى. وأظهرت انتخابات الأحد الماضي هذا الانقسام بوضوح.
في هذه الأجواء، أصبحت مفاوضات الائتلاف المقبلة مفتوحة على كل الاحتمالات. كل حزب صغير قد يصبح صانع موازين القوى، فيما يبقى الاستقرار السياسي هشًا والشارع متحفزًا. وأكد غولوب، مخاطبًا أنصاره، أنه "لن نتفاوض على سيادة البلاد" وأنه عازم على ضمان مستقبل أفضل للمواطنين، رغم صعوبة المرحلة القادمة.
يانشا، الذي شغل منصب رئيس الوزراء ثلاث مرات، يعتبر أحد أبرز وجوه الشعبوية اليمينية في أوروبا، ويدعم نموذج ترامب في الولايات المتحدة، ويعتمد خطاباً قومياً محافظاً يركز على القيم التقليدية، وخفض الضرائب، والدفاع عن السيادة الوطنية. في مقابل ذلك، يمثل غولوب تياراً تقدمياً يسارياً وسطياً، داعماً للاتحاد الأوروبي، وركّز على تعزيز الشفافية واستقلالية الإعلام وحماية الحقوق المدنية.
وأصبحت هذه الانتخابات اختباراً ليس فقط لمستقبل الحكم في سلوفينيا، بل لموازين القوى في أوروبا، فالعودة المحتملة ليانشا إلى السلطة قد تقود البلاد نحو محور يميني مع فيكتور أوربان في المجر، وتضع سلوفينيا في مواجهة مباشرة مع السياسات الأوروبية الليبرالية، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا والموقف من روسيا والولايات المتحدة.
وحين تولى غولوب السلطة عام 2022، جاء على رأس حزب صغير أخضر، أعاد تسميته إلى "حركة الحرية"، ليقود البلاد في موجة تغيير بعد سنوات من سيطرة يانشا. وحمل غولوب شعارات الإصلاح والشفافية ومكافحة الفساد، وعزز استقلالية الإعلام، بينما سعى لإعادة التوازن الديمقراطي في مواجهة مسارات شعبوية متطرفة، لكن بعد عامين فقط من ذلك، بدأت التحديات تتزايد: ارتفاع تكاليف المعيشة وضغوط اقتصادية وإصلاحات متعثرة ونزاعات سياسية مستمرة. كذلك أضعفت بعض شبهات تضارب المصالح وتعيينات مثيرة للجدل صورته بديلاً "نظيفاً"، وأعادت خصومه إلى الواجهة.
في الوقت نفسه، تتفاقم الاحتجاجات في ليوبليانا ومدن أخرى، لتصبح تعبيراً عن استياء واسع يشمل الاقتصاد، الأداء الحكومي، والاستقطاب السياسي. وغذّى ارتفاع أسعار الطاقة وتآكل القدرة الشرائية، بالإضافة إلى الجدل حول الإصلاحات الضريبية والصحية والإعلامية، شعوراً بالإحباط، ما جعل الشارع ساحة للاحتجاج المستمر، ورسم صورة لمجتمع يشعر بعدم القدرة على التقدم في ظل حكومة تواجه تحديات مزدوجة: داخلية وخارجية.
سلوفينيا في مواجهة أوروبا
وتتجاوز الانتخابات السلوفينية حدود الدولة، لتصبح مؤشراً على مستقبل أوروبا. ففي السنوات الأخيرة، صعدت التيارات الشعبوية في عدد من الدول، مثل فرنسا وألمانيا وجمهورية التشيك، بالإضافة إلى المجر وإيطاليا، وتقدمت أحزاب هذه التيارات في دول أخرى، كما جرى في ألمانيا مع "حزب البديل من أجل ألمانيا" و"الشعب الدنماركي" في انتخابات أمس الثلاثاء، ودعمت في بعض الحالات سياسات ترامب أو نظيره الروسي فلاديمير بوتين. وصعود يانشا قد يسهم في تعزيز نفوذ هذه القوى داخل الاتحاد الأوروبي، وتقويض وحدة الصف الأوروبي، وخصوصاً في القضايا الأمنية والاقتصادية.
غولوب، من جانبه، حاول أن يقدم نموذجاً ليبرالياً تقدمياً، من خلال التشريع لزواج المثليين، وطرح مواقف شجاعة على المستوى الدولي، كالاعتراف بدولة فلسطين ووصفه الحرب الإسرائيلية على غزة بأنها إبادة جماعية. وركّز في حملته الانتخابية على إعادة القيم السلوفينية إلى قلب الحكم، ووضع مصالح المواطنين في المقدمة.
المرحلة القادمة: مفاوضات محفوفة بالمخاطر
مع نتائج الانتخابات المتقاربة، يواجه غولوب مرحلة مفاوضات شاقة لتشكيل حكومة مستقرة. أي تحالف جديد سيكون هشاً، وقد يتطلب تنازلات كبيرة، بينما تبقى الأزمة الشعبية والصحافية تحت أعين الرأي العام، ما يجعل أي خطوة حكومية عرضة للجدل. الاستقطاب السياسي في سلوفينيا، إذاً، ليس مجرد خلاف بين حزبين، بل تعبير عن أزمة ثقة أعمق، تجمع بين الاقتصاد الضاغط، السياسة الشعبوية، واستياء الشارع. وقد تكون هذه التجربة مرآة لما تشهده عدة دول أوروبية اليوم: ديمقراطيات مستقرة شكلياً، لكنها تواجه ضغوطاً داخلية واحتقانات شعبية متصاعدة.
ويضع ذلك سلوفينيا على مفترق طرق، إذ إن ما يحدث فيها يعكس معركة أوسع على مستقبل أوروبا، بين أوروبا ليبرالية منفتحة، وأوروبا شعبوية قومية تسعى لإعادة رسم المشهد السياسي. وبينما يتطلع غولوب لتثبيت نموذج ديمقراطي تقدمي، فإن الشارع والسياسة والأحزاب الصغيرة ستحدد في النهاية شكل الحكومة المقبلة، وقدرة البلاد على الحفاظ على استقرارها وتوازنها الأوروبي.

Related News
عنف في مدارس تونس… مشاحنات تتحول إلى جرائم
alaraby ALjadeed
9 minutes ago
السلطات المغربية تنجح في تفكيك خلية مُوالية لـ«داعش»
aawsat
11 minutes ago