عنف في مدارس تونس… مشاحنات تتحول إلى جرائم
Arab
1 hour ago
share
شهدت مدرسة في ولاية المنستير التونسية جريمة صادمة أعاد إلى الواجهة ملف العنف في الوسط المدرسي، بعدما قُتل تلميذ (17 سنة) داخل المدرسة. وهزّت الواقعة الرأي العام، وأثارت موجة واسعة من الاستنكار أعادت طرح أسئلة ملحّة حول أسباب تفاقم العنف بين الشباب، وحدود دور الأسرة والمؤسسة التربوية والمحيط الاجتماعي في الوقاية منه، خاصة بعدما تحوّلت بعض الخلافات إلى أعمال عنف خطيرة وصلت إلى حدّ القتل. وتؤكد وزارة التربية التونسية أن العنف المدرسي أصبح ظاهرة مقلقة، وتستند إلى دراسة مشتركة أجرتها مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وأظهرت أن 28.4% من التلاميذ تعرضوا لعنف جسدي، وأكثر من 61% تعرضوا لسخرية أو عنف لفظي، وأن غالبية الحوادث حصلت داخل المؤسسات التعليمية أو محيطها المباشر. وتحلل بأنه "بعدما كان العنف يقتصر في السنوات الماضية على شجارات تقليدية، تحوّل إلى اعتداءات باستخدام أدوات حادة وسكاكين أدت إلى حوادث قتل ما دفع إلى المطالبة بتأمين محيط المدارس بشكل أكبر". ويقول الباحث في علم الاجتماع التربوي، منذر عافي، لـ"العربي الجديد": "باتت ظاهرة العنف المدرسي أكثر خطورة بعدما تحوّلت من سلوكيات مدرسية منحرفة إلى مستوى أخطر يهدد سلامة التلاميذ والإطار التربوي. لا يمكن تفهم مظاهر العنف داخل المؤسسات التربوية باعتبارها سلوكيات منحرفة أو اختلالات تربوية محدودة يمكن أن تحتوي عبر خطاب الوعظ أو مبادرات ظرفية، وتمثل حادثة مقتل تلميذ داخل مؤسسة تعليمية في ولاية منستير علامة فارقة تكشف انتقال العنف المدرسي من مستوى الفعل غير التربوي وغير المنضبط إلى مستوى الجريمة، ما يدل على اختلال في منظومات التنشئة والضبط الاجتماعي. وهذا التحوّل لا يمكن عزله عن سياق اجتماعي وتربوي ونفسي أوسع تراجعت فيه قدرة الأسرة والمدرسة على أداء وظائف الاحتواء وبناء المعنى". ويعتقد عافي بأن "المدرسة أصبحت في وعي شريحة كبيرة من التلاميذ فضاءً مثقلاً بالإحباط والفشل، ومجرد محطة إلزامية لا تفتح أفقاً للارتقاء الاجتماعي، ولا تمنح الاعتراف الرمزي بالذات. وهذا الانقطاع بين التلميذ والمؤسسة التربوية يولّد شعوراً عميقاً باللاجدوى واللامعني، ويغيّب تقدير الذات فتتحوّل السلوكيات العنيفة إلى وسيلة لتعويض الإقصاء وإثبات الوجود داخل جماعة الأصدقاء والرفاق".  ويرى أن "تصاعد العنف المميت يكشف ضعف آليات الوقاية، والتدخل المبكر داخل المؤسسات التربوية، وغياب الإصغاء الفعلي لمعاناة التلاميذ النفسية والانفعالية". يتابع: "يحصل التحرك المؤسساتي غالباً بعد وقوع الفعل، في حين تترك الإشارات التحذيرية المبكرة من دون معالجة، في ظل تآكل السلطة التربوية، وتحوّلها إلى شكلية غير قادرة على الضبط أو الاحتواء"  ويعتبر عافي أنه "لا يمكن مواجهة هذا التحوّل الخطير عبر الندوات الخطابية أو الحملات الاستعراضية، بل عبر مقاربة عملية وشاملة، تشمل إرساء ثقافة الإصغاء داخل المدرسة، وإعادة تنظيم الزمن المدرسي، كي يُخفف الضغط والرتابة، وإدماج الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية كفضاءات للتعبير الرمزي وتفريغ التوتر وبناء الانتماء". وأعلنت وزارة التربية أنها تعد خطة وطنية شاملة لحماية المؤسسات التربوية "ترتكز على الوقاية والتوعية والدعم النفسي، وتعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني، بدلاً من الاكتفاء بالمقاربات العقابية"، لكن متخصصين يرون أن الحدّ من العنف المدرسي يتطلب معالجة متعددة الأبعاد، تشمل تحسين الظروف الاجتماعية، وتطوير الإحاطة النفسية للتلاميذ، وإعادة الاعتبار للدور التربوي للأسرة والمدرسة، إلى جانب تعزيز الأمن في محيط المؤسسات التعليمية. ويقول الباحث في علم الاجتماع، فؤاد غربالي، لـ"العربي الجديد": "لا تعكس الأرقام التي توثق العنف المدرسي أزمة ظرفية أو حالة توعك تمرّ بها المدرسة التونسية، وهو ما تتحدث عنه الخطابات النقابية ووسائل إعلام، بل تكشف أساساً تحوّلات عميقة تمسّ المؤسسات التقليدية للمجتمع التونسي، على غرار العائلة والدولة، وكل شبكات التضامن المرتبطة بهما". يتابع غربالي: "في ظل هذا التحوّل يُصبح العنف أحد التعابير عن أزمة أعمق، حيث يتقاطع الشعور بفقدان المعنى مع غياب آليات التوجيه والضبط الاجتماعي، التي كانت توفرها المدرسة والأسرة على حد سواء". ويشير إلى أن "العنف المدرسي في تونس لا يتوزع بشكل متجانس داخل المؤسسات التعليمية، بل يرتبط أساساً بخصائص المجال الجغرافي والاجتماعي للمدرسة، ويمكن الحديث هنا عن جغرافيات العنف المدرسي، أي التفاوت في انتشار العنف، بحسب الموقع الجغرافي للمدرسة وظروفها الاجتماعية والاقتصادية".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows