Arab
انطلقت اليوم الأربعاء بمدينة المنستير (وسط شرق) أشغال المؤتمر السادس والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل، وسط تطلعات العمال لتحسين وضعهم المعيشي، ما يضع المنظمة النقابية الأكثر تمثيلاً أمام أحد أكثر استحقاقاتها تعقيداً منذ سنوات. ويأتي انعقاد المؤتمر في سياق اقتصادي بالغ الصعوبة، إذ تواجه تونس نسب تضخم مرتفعة، وتراجعاً في القدرة الشرائية، فضلاً عن أزمة مالية خانقة زادتها تداعيات التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار المواد الأساسية والطاقة، ما يضع البلاد تحت ضغط تدابير تقشفية غالباً ما تكون على حساب الفئات الاجتماعية الضعيفة والأجراء.
سياسياً، يتزامن المؤتمر مع مرحلة تتسم ببرود العلاقات بين السلطة التنفيذية والمنظمات الوطنية، وعلى رأسها اتحاد الشغل، في ظل ما يعتبره مراقبون توجهاً رسمياً لتهميش "الأجسام الوسيطة" وعدم إشراكها في صياغة السياسات العامة. وخلافا للمؤتمرات السابقة، لم تكن الطريق إلى المؤتمر الحالي معبّدة داخل الاتحاد نفسه، إذ سبقته خلافات داخلية حادة بين قياداته وقواعده، تمحورت حول عدة قضايا، أبرزها مسألة التداول على القيادة، والتقييم العام لأداء المكتب التنفيذي المتخلي، إضافة إلى اختلاف المواقف من السلطة السياسية.
وعلى مدار أكثر من سنتين، واجه اتحاد الشغل تحديات داخلية بسبب الخلافات التي شقت هياكله، ما أدى إلى إعلان الأمين العام نور الدين الطبوبي عن استقالته قبل أسابيع من مضي البلاد نحو إضراب عام كان يفترض أن ينفذ في 21 يناير/ كانون الثاني الماضي. كما شهدت العلاقة بين اتحاد الشغل والسلطة تحولات لافتة خلال السنوات الأخيرة، انتقلت من شراكة نسبية في إدارة الأزمات، إلى حالة من التوتر والقطيعة في الفترة الأخيرة. ويعود ذلك إلى اختلاف جوهري في الرؤى، حيث يتمسك الاتحاد بدوره كفاعل اجتماعي مستقل يدافع عن حقوق الشغالين (العمال)، ويطالب بإشراكه في القرارات الاقتصادية، في حين تتجه السلطة نحو تركيز القرار وتقليص دور المنظمات، وهو ما أثار انتقادات واسعة من قبل قيادات نقابية.
السلطة تحجّم دور اتحاد الشغل
وخلال السنوات الأخيرة، سعت سلطات تونس إلى تحجيم دور الاتحاد العام التونسي للشغل؛ حيث أقر قانون الموازنة للعام الحالي لأول مرة بنداً يتعلق بالزيادات في رواتب العاملين ومعاشات المتقاعدين لسنوات 2026 و2027 و2028، من دون إبرام اتفاق مع النقابات، خلافاً لما جرت عليه العادة في جولات المفاوضات الاجتماعية السابقة. ويقول صبري الزغيدي، الكاتب الصحافي في صحيفة الشعب، الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل، إن المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل يعقد في ظروف استثنائية بكل المقاييس، حيث تواجه المنظمة النقابية تحديات تهدد استمرار قدرتها في الدفاع عن حقوق الشغالين والدفع نحو إلزام السلطات بتنفيذ اتفاقاتها وتعهداتها السابقة.
وأكد الزغيدي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن اتحاد الشغل واجه فتور العلاقات مع السلطة، ما أدى إلى تعثر التفاوض بشأن حقوق عمالية أساسية يقرها القانون والمعاهدات الشغلية الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية. وأشار المتحدث إلى أن المؤتمر سيفرز قيادة جديدة تنتظرها العديد من التحديات الاقتصادية، لا سيما في ظل الارتدادات المتوقعة للحرب الحالية في الشرق الأوسط، التي قد تؤدي إلى مزيد تعقيد المشهد الاجتماعي وانهيار القدرة الشرائية للطبقة العمالية نتيجة التضخم والغلاء وموجات التضخم.
إعادة بناء الثقة مع العمال
ويعتقد المحلل السياسي طارق الكحلاوي أن القيادة الجديدة لاتحاد الشغل ستكون مطالبة بإعادة بناء الثقة بين المنظمة النقابية والشغالين وفرض الحوار كآلية أساسية لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مؤكداً أنها قد تصطدم بعدم تجاوب السلطة بالقدر الكافي، بسبب رغبة سلطة قيس سعيد في وضع حد لتدخل المنظمات النقابية في المشاركة في رسم السياسات العامة. وقال الكحلاوي لـ"العربي الجديد" إنه "في ظل الأزمة المستمرة بين السلطة والمنظمة النقابية لا يبدو مؤتمر اتحاد الشغل كمجرد استحقاق تنظيمي عادي، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد على التكيف مع مرحلة جديدة، تتسم بارتفاع منسوب المخاطر وتقلص هوامش المناورة".
وعلى مستوى القواعد العمالية، يسود شعور متباين بين الالتزام التاريخي بخيارات الاتحاد، والقلق من أن تؤدي الخلافات القيادية إلى إضعاف التحركات الاجتماعية في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية، مع ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية. في المقابل، لا يظهر اقتصاد تونس قدرة على استعادة مؤشرات النمو، حيث اختتمت تونس 2025 بنسبة نمو اقتصادي قُدّرت بنحو 2.5%، وتراجعٍ في معدلات التضخم مقارنة بالسنوات السابقة.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لم تنعكس بالقدر نفسه على سوق الشغل أو القدرة الشرائية؛ حيث ظلت البطالة مرتفعة عند حدود 15%، رغم محاولات السلطة احتواء الأزمات الاجتماعية عبر استعادة آلية التوظيف في القطاع الحكومي، وتسوية الوضعيات الشغلية الهشة، وتنقيح قوانين العمل. والشهر الماضي، قال المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إن مرصده الاجتماعي الذي يوثق التحركات الاجتماعية رصد تحركات على خلفية ارتفاع أسعار المواد الأساسية، وخاصة الأسماك واللحوم الحمراء، وعدم توفر عدد من المواد الغذائية.

Related News
6 أطعمة إفطار مفيدة للأمعاء
aawsat
3 minutes ago
منتخب مصر يتوجه إلى جدة لمواجهة السعودية ودياً
aawsat
4 minutes ago
"أليكسا" ترفض ترديد "فلسطين حرة"
alaraby ALjadeed
6 minutes ago