وليد دقّة وسناء سلامة
Arab
2 days ago
share
المعادلة مع العدو الصهيوني ساطعةٌ في وضوحها: البقاء في مقابل المحو. يريد الإسرائيلي من الفلسطيني أن يغيب، أن يُنسى، أو أقلّه أن يكون كما الهندي الأحمر الذي استعارَه مجازياً محمود درويش غير مرّة. ولم تكن مجازفةً من إلياس صنبر تسميتُه كتابَه عن نكبة 1948 "التغييب" (1987 بترجمة كاظم جهاد). وفي موضعه تماماً تشديد عزمي بشارة على أن نسيان 1948 يؤدّي إلى الاستسلام "لمحو" قضية اللاجئين، وعلى أن "الإبقاء على ذاكرة ما حلّ بهم أمرٌ حاسمٌ في عملية النضال من أجل العدالة والإنصاف". ولأنه تأكّد من استحالة وهمه هذا، لم يتوقّف العدو الذي أراد استعمارَه فلسطين "إحلاليّاً" عن اقتراف المذابح، التطهير العرقي، التهجير، مصادرة الأرض، الإبادة، التمييز العنصري. ولمّا تنوّعت أوجه مواجهة الفلسطيني هذا كله، طوال عقود كفاحه المثقل بالدم والألم والتهديم، ومحاولات الإخضاع والاستضعاف، ولمّا كانت إرادة الفلسطيني أن يبقى، وأن يُقلق الإسرائيليَّ بوجوده مناضلاً وفنّاناً ومفكّراً وعالماً وشاعراً، لا لاجئاً ونازحاً وحسب، فإنه، قادرٌ، مدفوعاً بإرادته الأقوى، بعد زمن، على إعادة متاحف الألبسة الفلسطينية وتطريزاتها النسائية، والتي استهدفها عدوان الإبادة في قطاع غزّة. صدوراً عن هذه الرؤية، يُشاهَد فيلم "أبو ميلاد"، والذي أنجزه صهيب أبو دولة، مع زملاء وزميلاتٍ له في فلسطين، وأنتجته "ميتافورا"، لأن قيمته في أنه مساهمةٌ باهظة الأهمية في توثيقه بصرياً واحدةً من مرويّات الكفاحية الفلسطينية المديدة، الثمينُ فيها أنها تشتمل على كل الأبعاد النضالية والإنسانية والاجتماعية والثقافية العامة، إذ تتخطّى حدودُها الظاهرة قصةَ أسير تزوّج في السجن وأنجب ابنة بتقنية خاصّة إلى العميق في مسألة فلسطين كلها، بوصفها قضية حقٍّ وعدالة، وقضية مقاومةٍ وإرادة. ولهذا، ليرَ العالم هذا الفيلم، الوثائقي التسجيلي (بعد استغناءٍ عن بعض المشاهد)، ليس فقط ليعرفوا، في أفريقيا والأميركيتين وأوروبا وآسيا وأستراليا، أن ثمّة طاقةً خارقةً لدى المناضل الفلسطيني في حبّ الحياة، وأن دولةً لديها مائتا رأس نووي تستقوي على أسيرٍ في سجونها، وتُبقيه نحو أربعة عقود، وتُميتُه في لحظة مرضٍ صعبة، ثم لا تسلّم جثته لذويه. ولن يكون عرض هذا الفيلم في قارّات الأرض فعلاً دعائياً، وإنما مساهمة، أولاً، في بحث النضال الفلسطيني عن "العدالة والإنصاف"، وهذه لغة العالم، كما يلحّ عزمي بشارة. ومساهمة، ثانياً، في تظهير التضادّ بين الفلسطيني، إنساناً على ثقةٍ بنفسه ويستطيع الحب وكتابة القصة والكفاح بالقانون وغيره، في مقابل سلطة احتلالٍ وحشاً لا يقيم اعتباراً لآدمية الإنسان. وليد دقّة وسناء سلامة التي اختارته، وهو في الأسر، زوجاً، وأقامت على وفاءٍ إنسانيٍّ عظيم، يتحدّى قرائح أهل الأدب، لم يصنعا حكايةً شكسبيريةً تقصّها جدّاتٌ لأحفادهن، وإنما أضافا، في مدوّنة الألم الفلسطيني المديد، سهماً جارحاً، ينضاف إلى قصص فلسطينيين بلا عدد، في الوطن والشتات، ضجّت بالوفير من البطولة والافتداء والبسالة والتضحية، وتبقى في حاجةٍ دائمةٍ إلى أن تُدوَّن وتوثّق، وتُنجَز عنها ومنها مسرحياتٌ وأفلامٌ روائيةٌ ووثائقية، وإلى أن تُحرز مكانها ومكانتها في مجرى البحث الإنساني، الكونيّ بداهة، عن العدالة والكرامة. لم نُشاهد، عشيّة بدء اشغال منتدى فلسطين الرابع، فيلماً يشحنُنا بما هو عاطفيٌّ عارض، وإنما يذكّرنا بما لا يليق أن ننساه، أن حماية الألم الفلسطيني وصوْنه من النسيان، في غضون متاهات السياسة الركيكة وعواصف الاعتداءات الإسرائيلية التي لا يُراد لها أن تتوقّف، واجبان شديدا الضرورة، وأن فردانيّة كل أسير فلسطيني، باعتباره ذاتاً وشخصاً، بدناً وروحاً، كما فردانيّة كل شهيد وجريح منذ ثورة البراق في 1929 وليس انتهاءً بشهيد يوم أمس الأحد في اعتداء الغازي الإسرائيلي على حي التفاح في غزّة، من أولى مهمّات أهل السينما والإعلام (وصديقنا صهيب أبو دولة منهم) والفنون والتوثيق وكتّاب التاريخ والآداب الفلسطينيين وأولى مشاغلهم. ما صرنا عليه بعد مشاهدتنا فيلم "أبو ميلاد" ليس كما كنّا قبله، ذلك أن تلك الفرادة في شخص سناء سلامة استثنائية، صيّرت أسئلتنا عن جودة الفيلم وسويّته نافلة، وهو جيّدٌ وسويّته مقدّرة. صيّرتنا في سؤالٍ آخر بشأن ثقافةٍ فلسطينيةٍ باتت شديدة الوجوب، يُعطينا وليد وسناء واحداً من عناوينها، إرادة البقاء في مواجهة إرادة المحو والتغييب.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows