Arab
مسائل عدّة تشهدها السينما، صناعة وتجارة ونقداً ومُشاهدة، تبقى ثابتة رغم نقاشات مستمرّة حولها، ما يعني أنّ النقاش معطّل، والثبات سيّد متشبّثٌ بما يراه الأصحّ، فيفرضه على الجميع بلغة الأوامر العسكرية، وإنْ بشكل مبطّن أحياناً.
يُمنع بتاتاً المسّ بشخصيات عامة. المسّ المقصود يعني تفكيك تلك الشخصيات، أو كشف تفاصيل من حياتها البعيدة عن "العام"، أو تخيّل صُور عن مسار ومواقف لها، ارتكازاً على أنّ السينما إعمالٌ للخيال، وإنْ يُستلّ النصّ من وقائع ووثائق وسِيَر معلنة لشخصيات عامة. يُمنع إظهار شخصية عامة بصُور متخيّلة، غير متوافقة مع المتداول عنها، وغير ملائمة لـ"حرّاس الهيكل الباهت"، الذين يخشون من إعمال العقل والخيال معاً، فإعمال كهذا يُضرّ بسلطة وسطوة يمتلكانها بالبطش والتحذير والتخوين.
الأمثلة كثيرة، آخرها "الست" (2025) للمصري مروان حامد. لا تكرار لعناوين ما يُشبه الحملة العنيفة ضد الفيلم، وجميع العاملين والعاملات فيه. ذكره هنا يُكمِل المكتوب أعلاه: هناك رفض حادّ لكلّ من يرى في الفيلم اختلافاً، ولو قليلاً، عن السائد الخاص بأم كلثوم. تذكيرٌ آخر: "جمال عبد الناصر" (1998) للسوري أنور القوادري. كيف يُسمح لسوريّ أن يُنجز فيلماً عن شخصية عامة مصرية، وأنّ يُصوّر الزعيم مرتدياً ملابس النوم؟ هذا كُفرٌ يتوجّب مكافحته. كل من يسعى إلى تحقيق فيلمٍ عن أسمهان، يحاصر بكل الوسائل الممكنة، قانونياً واجتماعياً، وعنفياً إنْ يلزم الأمر.
أمّا الشخصيات العامة غير المحبوبة، أو غير المتوافقة والتفكير الجماعي المفروض على بيئة أو طائفة أو قبيلة أو مجتمع، فتزنَّر بأشواك منعاً للاقتراب منها، سينمائياً على الأقلّ. أهناك أفلامٌ عربية تروي حكايات مجرمين ومجرمات عرب، في المجالات كلّها للجريمة؟ يندر حصول هذا، وإنْ يحصل فالركيزة الأساسية الوحيدة متمثّلة بـ "الرواية الرسمية"، غالباً.
المنع هذا، المرتكز على قواعد يصنعها حرّاس الهيكل أنفسهم، يكاد يكون سمة كتّاب وكاتبات في صحافة ورقية ومواقع إلكترونية، تُقدّم نفسها (الصحافة والمواقع) بأنها مختلفة ومخالفة للمتداول. هؤلاء يرفضون رفضاً باتاً كلّ فيلم سينمائي، يلتزم مفردات السينما ومتطلّباتها أو لا يلتزمها، يتناول وقائع عيش يومي في بلدان عربية متفرّقة: الفقر، الجوع، التمزّقات العائلية وأسبابها كثيرة ومتنوّعة.. الفساد، البؤس، الخراب الذاتي، الحطام الجماعي. أمثلةٌ يرى هؤلاء أن انشغال السينما بها ترجمة لمطالب مهرجانات سينمائية دولية، فقط لا غير: "ريش" (2021) للمصري عمر الزهيري أحد أجمل الأفلام سينمائياً، وأعمقها كشفاً لخرابٍ من دون تصنّع وتزوير، وأقدرها على فضح المستور بالتزام جمالي باهر بمتطلبات السينما. "عائشة لا تستطيع الطيران" (2025) للمصري مراد مصطفى: واقعيته الحياتية اليومية مُصوّرة بجمالية سينمائية، فيُهاجَم لأنّه صادقٌ في خياراته الفنية والاجتماعية والبشرية والواقعية والحقيقية.
أيكون كشف واقع، سينمائياً، أخطر من خراب الواقع نفسه، مع أنّ هناك إهمالاً لهما (الخراب والواقع)، وعدم إصلاح مسبّبات الخراب في الواقع العربي؟
الأمثلة كثيرة. انتقاء الأقل منها غير حاجبٍ وفرتها. رغم ذلك، هناك مُصرّون ومُصرّات على إنجاز ما يتوافق ورؤيتهم ومشاعرهم وتفكيرهم وتأمّلاتهم، رغم وحشية حرّاس الهيكل الباهت.

Related News
بيريل كوك... مئة عام من تصوير بهجة الهامش
alaraby ALjadeed
11 minutes ago
"أوراكل": انقطاع الكهرباء أثر على تطبيق تيك توك
alaraby ALjadeed
18 minutes ago
"أوراكل": انقطاع الكهرباء أثر على تطبيق تيك توك
alaraby ALjadeed
18 minutes ago