القطوي: الغدير والولاية كذبة تاريخية دوافعها سياسية وهكذا يوظفها الحوثيون في اليمن
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة

 

بالتزامن مع الحشود والطقوس المكلفة التي تقيمها مليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها لإحياء ما تسميه "يوم الولاية"، يكشف الأكاديمي والباحث اليمني في الفكر السياسي الإسلامي، الدكتور كمال ناجي القطوي، الأبعاد السياسية والفكرية والاقتصادية وراء توظيف الجماعة لهذه المناسبة.

 

وفي حوار خاص مع "الصحوة نت"، يقول القطوي إن "يوم الغدير" لم يكن وليد النبوة أو التشريع الإسلامي، بل وليد حاجة السلطة إلى تقديس نفسها، معتبرًا أن قراءة الحادثة في سياقها التاريخي تكشف أنها جاءت في مقام إنصاف علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بعد شكاوى من بعض الجيش، لا في مقام تفويض سياسي أو توريث للحكم.

 

ويفكك الباحث اليمني نظرية "الولاية السلالية" ومرتكزاتها الفكرية، وما تنطوي عليه من نزعة استعلائية تجعل الحكم امتيازًا محصورًا في سلالة بعينها، لا حقًا عامًا يقوم على الشورى والاختيار.

 

كما يتوقف عند المفارقة بين احتفالات الحوثيين المكلفة وواقع اليمنيين الذين يكابدون الفقر وانقطاع المرتبات وتدهور الخدمات، معتبرًا أن هذه المواسم تحولت إلى أداة للجبايات والنهب الاقتصادي، وإلى وسيلة لتطويع المجتمع وتفخيخ وعي الأجيال باسم الدين والولاية.

 

فإلى نص الحوار:

 

- جماعة الحوثي تقدّم ما تسميه «يوم الغدير» بوصفه إعلانًا إلهيًّا وسياسيًّا حاسمًا لولاية عليٍّ بن أبي طالب – رضي الله عنه - سلاليًّا؛ أين تضع هذه الحادثة وفق سياقها التاريخي الحقيقي؟

حقُّ الحادثةِ أن تُقرأَ في موضعها لا أن تُنتزَعَ منه؛ فقد بعث النبيُّ (صلى الله عليه وسلم ) عليًّا بن أبي طالب – رضي الله عنه - إلى اليمن ليُخمِّسَ ما غنمه خالدُ بن الوليد- رضي الله عنه- ، فأخذ خُمُسَ النبيِّ واصطفى منه جاريةً، فاستنكر ذلك بعضُ الجيش - ومنهم بُريدةُ بن الحُصيب رضوان الله عليه - حتى شكاه للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم اشتدَّ عليٌّ في المالِ العامِّ مرّتين أُخرَيَين: منعهم رُكوبَ إبلِ الصدقةِ قائلًا: «إنما لكم فيها سهمٌ كما للمسلمين»، ونزع عنهم حُللًا لبسوها من الصدقات. فاجتمعت ثلاثُ شكاياتٍ متتابعةٍ على خشونته، فقام النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) يُزكِّي اجتهاده ويردُّ إليه اعتبارَه فقال: «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»، فبردت النفوسُ وأقرَّ الناسُ اجتهادَه. أمّا موقفُ أهلِ الحديثِ من الرواية فدقيقٌ ينبغي تحريرُه: فلم يُخرجها الشيخان "البخاري ومسلم". ورواها أحمدُ وبعضُ أصحاب السنن، وعليها كلامٌ لأهل النقد: ضعّفها ابنُ حزم فقال «لا يصحُّ من طريق الثقات أصلًا» وكذلك ضعفها أبو داود وأبو حاتم ، ونقل البخاريُّ في التاريخ الكبير أن هذا الحديث لم يُعرف حتى «جاء هذا من خراسان فنعق به» يعني أبا إسحاق السبيعي الهمداني وهو تابعي ثقة له ميول شيعية خفيفة.

وعلى افتراضِ صحةِ الحديثِ فإنَّ التأويلَ السياسيَّ الشيعيَّ ساقطٌ من أصله؛ إذ يشهدُ السياقُ أنه جاء في مقامِ إنصافِ اجتهاد مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم، لا في مقامِ تنصيبِ إمام. ولو كان نصًّا على الخلافةِ لَفهِمه الصحابة، وأوّلُهم عليٌّ نفسُه؛ فما فهمه هو، ولا أحدٌ ممن حضر، ولا نُقِل عن تابعيٍّ ولا تابعِ تابعٍ ولا إمامٍ من أئمةِ المذاهبِ وعلماءِ الأمةِ المعتبرين أنه حمَله على الإمامةِ السياسية. بل إنَّ أصدقَ شاهدٍ سيرةُ علي بني أبي طالب: فقد بايع الخلفاءَ الثلاثةَ من قبله، ولم يحتجَّ يومًا بقصة الغدير؛ ولمّا طُلِب إليه أن يستخلفَ ابنه الحسن أبى وقال: «أترككم كما ترككم رسولُ الله»، أي ردَّها شورى بين الناس. ثم تنازل الحسنُ لمعاوية، وانصرف عن الدعوى مَن بعدهم أبناؤهم وأحفادهم من العلماء الثقات : كزينِ العابدين، وابنِه الباقرِ، وجعفرٍ الصادق؛ فما ادَّعى أحدٌ منهم حقًّا إلهيًّا، ولا التفت إلى قصةِ الغديرِ دليلًا على استحقاقٍ سياسي. وإذا كان هذا فهمَهم وهذا تطبيقَهم، فلم يبقَ لذي لُبٍّ بعدهم حجة.

 

- متى وكيف تحوّلت هذه الحادثة من سياقها التاريخي إلى «بدعة سياسية» تحتفل بها كياناتٌ لفرض شرعيتها؟

ظلَّت قصةُ الغدير قرونًا غائبةً عن التوظيفِ السياسي، لا يُعرَفُ لها عيدٌ ولا موسم. حتى إذا قامت دولةُ بني بُويه الشيعية في العراق ابتدعت الاحتفالَ بـ«يومِ الولاية» في الثامن عشر من ذي الحجة سنةَ ٣٥٢هـ، كما ذكر المقريزي،  ثم قلَّدهم الفاطميون في مصر. أمّا اليمن فلم تعرف هذا الاحتفال إلا متأخرةً جدًّا في القرن الحادي عشر الهجري، أدخله القاضي المسوري أيامَ المتوكلِ إسماعيلَ بن القاسم، بعد قرونٍ من تأسيسِ المذهب الزيدي. فالعيدُ - كما ترى - وليدُ الدولةِ لا وليدُ النبوة؛ نشأ حين احتاجت السلطةُ إلى تقديسِ نفسها، فاتخذت من الواقعةِ مطيّةً تركبها إلى الشرعية السياسية.

 

- بالحديث عن هذا "الدين المزيف"؛ ما هي المرتكزات الفلسفية والنزعة الاستعلائية التي تقوم عليها فكرة "الولاية السلالية" لدى هذه الجماعات؟

تقومُ الفكرةُ على أصلٍ واحدٍ: «الحقُّ الإلهيُّ» في السلطة؛ أي أنَّ الحكمَ نصٌّ مُنزَّلٌ في سلالةٍ بعينها، لا أمانةٌ تختارُ لها الأمةُ أهلَها. والأصلُ القرآنيُّ أنَّ الشرعيةَ للأمة عن طريق الشورى واختيارِ الناس؛ فلما أُحدِث القولُ بـ«الوصية» رُدَّ الأمرُ إلى السماء، وزُعِم حقًّا موروثًا لا تكليفًا يُختار له أهلُه. وقد ذكر الشهرستاني والمقريزيُّ وغيرهما أنَّ عبد الله بن سبأ أول من نادى بالوصية، ومنه تلقفت المدارس الشيعية هذه الفكرة، ثم بلوَرَتها نظريةً سياسيةً للإمامة. وعن هذا الأصلِ تتفرّعُ نزعةُ استعلاءٍ ترفعُ صاحبَها فوقَ المساءلةِ والنقد، كأنه ممن قيل فيهم: ﴿لا يُسأَلُ عمَّا يفعلُ وهم يسألون﴾. ثم جاء الموروث الكسروي وتسربت آدابه السلطانية إلى الساحة، فزاد الطين بلة، وتحول الناسُ في تصوُّرهم «قطيعًا مسلوبَ الإرادة». والإسلامُ إنما جعل الرفعةَ بالتقوى لا بالأنساب: ﴿إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾؛ فمن طلب الإمامةَ بِنَسَبه فقد خاصم نصَّ القرآن الكريم.

 

- بالتزامن مع احتفالات جماعة الحوثي  بما تسميه "يوم الولاية"، يعاني المواطن في مناطق سيطرتها من انقطاع المرتبات لأكثر من عقد وتدهور مريع في الخدمات الميع؛ كيف تقرأ هذه المفارقة؟ ومن أين تُموّل هذه الاحتفالات الباذخة؟

المفارقةُ نفسُها حُجّةٌ ناطقةٌ على حقيقةِ الدعوى؛ حيث تصرف مليارات الريالات على هذه المواسم، رغم أن الناسُ يُكابدون الفقرَ المدقعَ والعوزَ الشديدَ. وهذا عينُ استخدام الدين لخدمة الأهواء البشرية. ولو كانت قُربةً صادقةً لبدأت بإطعامِ الجائعِ وإنصافِ المحروم، لا بالمواكبِ والزينة ولكنها تحولت إلى وسيلة لإلهاء الناس عن المطالبة بحقوقهم، كما أنها أداة للتعبئة والحشد. وأما مصادر التمويل فكل شيء أمام الحوثي متاح، ابتداء من الاستحواذ على المال العام، وانتهاء بالجبايات التي تُنتزع من الناس قسراً.

 

- كيف تحولت هذه المناسبة من "شعار ديني وعقائدي" إلى "أداة نهب اقتصادي" تُثقل كاهل التجار والمواطنين بالجبايات بقوة الحديد والنار؟

ليست الجبايةُ في هذه المواسم بابًا من الطمعِ وحدَه، بل خطةٌ تجمعُ غاياتٍ شتّى تحت رايةٍ واحدة. فأولُ مقاصدها تطويعُ المجتمعِ وتطبيعُه: تطويعُه لسلطةِ الأمرِ الواقعِ حتى يَألَفَ القهرَ، وتطبيعُه مع المنظومةِ الفكريةِ الحاكمة حتى تموتَ فيه نوازعُ المقاومة. ثم يأتي البُعدُ الاقتصاديُّ، فهي موردٌ يَدُرُّ على المشرفين والعناصر الحوثية عائداً، حتى صار العقدُ بينهم وبين الجماعةِ عقد منفعةٍ متبادلة: ولاءٌ يُبذَل، وامتيازٌ يُقبَض؛ فيُحِسُّ العنصرُ أنه شريكٌ في السلطةِ والثروةِ ما دام يبسطُ يدَه على حيِّه أو منطقتِه. وفي ذلك بُعدٌ أخطرُ: أنَّ هذه الأفعالَ اللامسؤولةَ خلقت عداوةً بين المظلومين وبين جُباةِ الجماعة، فصار هؤلاء يستميتون في الدفاع عن المشروعِ الحوثي خشيةَ أن يَنكشِفوا فينالَهم العقابُ الاجتماعيُّ على سِنينَ من النهبِ والاعتداءِ على أموال الناس. وكل هذه الأبعاد تساهم في تتغلغل الجماعة الحوثية، وخلق تعقيدات اجتماعية بعيدة الأثر والضرر.

 

- يُعرف اليمن تاريخياً بأنه بيئة للمذهب الزيدي الذي لا يرى النص على الولاية السياسية، لكن المشهد اليوم في صنعاء من طقوس وشعارات يشبه تماماً ما يحدث في قم أو ضاحية بيروت؛ هل انسلخ الحوثيون تماماً عن الزيدية لخدمة المشروع الإيراني الاثني عشري؟

في صدرِ السؤالِ مُقدِّمتان تحتاجان إلى تحريرٍ قبل الجواب. أمّا الأولى فدعوى أنَّ اليمنَ كان البيئةَ التاريخيةَ للزيدية؛ والحقُّ أنها لم تَعْدُ أن تكون محصورةً في أقصى جبالِه الشمالية، وأنَّ الناسَ يَنسَوْن أربعةَ عشرَ قرنًا حكمته فيها دولٌ سُنّيةٌ متعاقبة -الأموية والعباسية و الزياديةُ والنجاحيةُ والأيوبيةُ والرسوليةُ والطاهريةُ والعثمانية- فيختصرون تاريخَ اليمنِ كلَّه في حقبةٍ استثنائيةٍ بسطت فيها الزيديةُ يدَها على صنعاءَ وما حولها فتراتٍ محدودة، وإذا امتدت أبعد من ذلك سرعان ما تنكمش تحت مقارع المقاومة. وأمّا الثانية فدعوى أنَّ الزيديةَ لا تقولُ بالنص؛ وجوهرُ المذهبِ قائمٌ على حصرِ الإمامةِ في «البطنين» - ذريةِ الحسنِ والحسين- وهي مسألةٌ أجمع عليها مؤسِّسو المذهبِ ومحقِّقوه ومحصِّلوه، وعقدوا عليها الولاءَ والبراء؛ فلو نُزِعت لم يَبق من الزيديةِ شيءٌ، إذ بولايةِ البطنين تميَّزت عن سائرِ الفِرَق.

فإذا تقرَّر هذا عُلِم أنَّ ما استُورِد اليومَ من الطقوسِ والشعاراتِ ليس انسلاخًا مفاجئًا، بل ثمرةٌ لتقاربٍ عاطفيٍّ قديمٍ بينهم وبين الاثني عشرية؛ وهو التقاربُ الذي شهد به الشوكانيُّ حين وصفَهم بأنهم إذا زارهم رافضيٌّ هَشُّوا له وبَشُّوا، وإذا زارهم سُنّيٌّ انقبضوا عنه. وقد مرَّ بك كيف استورد المسوريُّ احتفالَ الغديرِ من مجتمعاتِ الشيعةِ خارجَ اليمن؛ وها هم اليومَ يَجلبون كثيرًا من الممارساتِ الشيعيةِ من إيرانَ.

 

- تتزامن الاحتفالات مع «المراكز الصيفية» وتعبئة الأطفال عقائديًّا برابط الولاية السلالية؛ ما حجم الخطر المستقبلي على النسيج الاجتماعي والهوية اليمنية؟

كادت الجمهوريةُ اليمنيةُ - بمدارسها وجامعاتها ومعاهدها العلمية- أن تطوي بساطَ الفكرةِ الإماميةِ، حتى انحسرت في مناطق محدودة وعوائلَ سلاليةٍ تَحِنُّ إلى الهيمنةِ والتسلط؛ فلمّا انبعث هذا الانقلابُ سعى من أولِ يومٍ إلى الاستدراكِ على الصحوةِ الجمهورية، فاستفرغَ ما في يدِه من قمعٍ ودعمٍ وإمكاناتٍ في غسلِ أدمغةِ الأطفالِ والجيلِ الجديدِ بنظريةِ الإمامة، وغرسِ عقيدةِ «السلالةِ المصطفاة»، حتى يَستحيلَ الناسُ قطيعًا مسلوبَ الإرادةِ والتفكير. وهنا مكمنُ الخطر؛ فإنَّ الجراحَ في الأبدانِ تَندمِل، وأمّا تشويهُ وعيِ جيلٍ بأسرِه فنكسة تمتدُّ آثارُها بعيداً، وهي أخطرُ ما أورثه الانقلابُ من بلاء، إذ يضربُ النسيجَ الاجتماعيَّ والهويةَ الوطنيةَ في الصميم. وسيعود الأحرار إلى صنعاء، وهناك فئام واسعة قد سقطت في براثن الإمامة ضحية التعبئة الامامية ، ونحتاج إلى جهاد فكري وتربوي طويل لاستعادة الوعي، وبعث الذات اليمانية الحرة من جديد.

 

- إذا كانت الأمة قد ردّت على هذه الأفكار منذ العصور الأولى، فلماذا نراها اليوم تنبعث بقوة الحديد والنار في شمال اليمن؟

لعلماءِ اليمنِ ومجتهديها يدٌ بيضاء في تفنيدِ نظريةِ الإمامةِ وتوابعها، تَتابعت حلقاتُها جيلًا بعد جيل. ومن أوائل المتصدين للفكرة الإمامة العلّامةِ يحيى ابنِ أبي الخيرِ العمرانيِّ، إذ بعث طلابَه إلى مدينة "إبَّ" لمناظرةِ جعفرِ بنِ عبد السلامِ الزيديِّ - شيخِ عبدِ الله بنِ حمزة-  ثم ردَّ عليه بكتابه «الانتصار»، فنقضَ كلَّ ما استورده ذلك الرجلُ من كلامِ شيعةِ العراقِ ومعتزلتها. ثم توالت ردودُ أهلِ العلم: فكان للإمامِ محمدِ بنِ إبراهيمَ الوزيرِ نسفُ البنيةِ المنهجيةِ للمذهب في كتابه العواصم والقواصم، وجاء المقبليُّ وقام بتفنيد نظريتَهم السياسيةَ حتى اضطروه إلى الهجرةِ من اليمن، ثم انهمر على فقههم سيلُ الشوكانيِّ الجرّارُ، فكشفَ لهم حجمَ الانحرافِ الذي انطوت عليه مدوَّنتُهم الفقهية. ثم تمَّ ذلك بالدورِ التربويِّ والعلميِّ الضخمِ للمعاهدِ العلمية، فأنشأت جيلًا متحرِّرًا من المنظورِ الإماميِّ ومخلَّفاتِه.

ولهذا لم يجدِ القومُ بدًّا من اللجوءِ إلى العنف؛ فما عجز عنه الدليلُ تكفَّلَ به السيف. وتلك سُنّةُ الأهواء: تَخمُدُ أمامَ البرهان، فإذا تهيّأ لها سلطانٌ استردّت أنفاسَها بالحديد والنار.

 

- في ظل ضعف الأداء الرسمي، ما الواجب اليوم على المفكرين والعلماء والناشطين والأسر اليمنية لبناء «ثورة وعي» مضادة وحماية الأجيال القادمة؟

المعركةُ في حقيقتها معركةُ وعيٍ قبل أن تكون معركةَ سلاح؛ والفكرةُ لا يَقتلُها إلا فكرةٌ أقوى منها. وأولُ واجبِ العلماءِ أن يُرابطوا في الخطابِ العلميِّ الصادقِ مع الأمة، وألّا يأخذَهم الخطابُ السياسيُّ بعيدًا عن كشفِ الحقائقِ للناس؛ إبراءً للذمةِ، وأداءً للأمانةِ التي أخذها الله عليهم: ﴿وإذ أخذ الله ميثاقَ الذين أوتوا الكتابَ لَتُبيِّنُنَّه للناسِ ولا تكتمونه﴾. ومن أهمِّ المفاصلِ الفكرية أن تُبيَّنَ للناسِ حقيقةُ الزيديةِ العقديةِ والسياسية، وأن يُهجَرَ الخطابُ الذي يُربِّتُ على أكتافها ويسوق الوهمَ، فيَحصُرُ الخطرَ في الحوثيِّ وحدَه، ويَتجاهلُ - عن علمٍ أو جهلٍ- أنَّ البيئة الخصبة  لمشاريعِ الإمامةِ كلِّها، من الهادي إلى الحوثي، إنما هي الزيديةُ بمنظورها الخاصِّ وتفسيرها العائليِّ للإسلام. وإذا كان السياسيُّ يرى دورَه في المناورةِ والمداراة، فإنَّ دورَ العالِمِ أن يَصدَعَ بالحقِّ، رَضِيَ من رَضِيَ وسخط من سخط، وألا تأخذه في الله لومة لائمة، وأن يُكمِلَ مسيرةَ الأحرارِ من علماءِ اليمنِ الذين نقضوا المنظورَ الزيديَّ؛ وقد كانوا أبلغَ حجةً لأنهم نشأوا أولَ أمرهم في بيئة الزيدية العلمية، فلمّا تبيَّنت لهم الحقائقُ انفضُّوا عنها وانتفضوا في وجهها بجسارةٍ علمية نادرة.

فعلى العلماءِ أن يَنقُضوا الأصولَ المنحرفة نقضًا علميًّا رصينًا هادئًا، يُميِّزون فيه بين فضائلِ عليٍّ بن أبي طالب رضوان الله عليه الثابتةِ -وهي حقٌّ لا يُنكَر- وبين دعوى الاستحقاقِ السياسيِّ الحصريِّ التي لا سندَ لها. وعلى المثقفين والناشطين أن يردُّوا للأمةِ وعيَها بحقِّها في الشورى والاختيار. وعلى الأسرِ والمربِّين أن يُحصِّنوا النشءَ بقيمِ العدلِ والمساواة، وأن تُطوَّرَ المناهجُ والبرامجُ الإعلاميةُ ليحضر فيها الخطابُ العلميُّ الواعي. وغايةُ ذلك كلِّه أن تستقرَّ حقيقةٌ واحدةٌ في الأذهان: أنَّ الشرعيةَ للأمةِ لا للسلالة، وللاختيارِ لا للغلبة، وللعدلِ لا للوصاية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية