عربي
تتسارع الضغوط الاقتصادية على الأميركيين بموجة غلاء غير مسبوقة منذ سنوات، مع عودة التضخم إلى الارتفاع بقوة، وقفز أسعار الطاقة والمواد الغذائية، فيما بدأت الحرب مع إيران تلقي بثقلها المباشر على حياة الأسر الأميركية وفواتيرها اليومية، في مشهد يهدد بتحويل أزمة المعيشة إلى العنوان الأبرز للانتخابات النصفية المقبلة.
فبينما ارتفعت أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة خلال نيسان/إبريل بأسرع وتيرة منذ عام 2023، جاءت الزيادة في أسعار الكهرباء أكثر حدة، وسط طلب قياسي على الطاقة وتكاليف متصاعدة للوقود والنقل، ما وضع ملايين الأميركيين تحت ضغط مالي متزايد رغم استمرار نمو الإنفاق الاستهلاكي، حسب ما أوردت بلومبيرغ اليوم الثلاثاء.
وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي الصادرة اليوم، ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 3.8% مقارنة بالعام الماضي، في حين قفزت أسعار الكهرباء بنسبة 6.1%، أي بوتيرة تفوق التضخم العام بنحو 61%. ويعكس هذا الارتفاع أزمة متفاقمة في سوق الطاقة الأميركية، حيث تواجه شبكات الكهرباء ضغوطاً متزايدة نتيجة الطلب الهائل من مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة بالجملة بسبب اضطرابات أسواق النفط المرتبطة بالحرب مع إيران.
وفي تقرير آخر، لفتت بلومبيرغ إلى أن فواتير الكهرباء المرتفعة باتت محور مواجهة بين شركات الخدمات والمستهلكين والسلطات التنظيمية، مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى شركات الطاقة ومشغلي شبكات الكهرباء بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على ضبط التكاليف.
وفي محاولة لاحتواء غضب الناخبين، بدأت بعض الولايات دراسة إصلاحات في نموذج عمل شركات الكهرباء. وأعلن مجلس المرافق العامة في ولاية نيوجيرسي الأسبوع الماضي خططاً لبحث آليات جديدة تربط أرباح شركات الطاقة بمؤشرات مثل القدرة على تحمل التكاليف والموثوقية، بدلاً من النظام الحالي القائم على حجم الاستثمارات في البنية التحتية.
في المقابل، ساهمت الحرب مع إيران في تسريع موجة التضخم عبر ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والشحن، ما أدى إلى تآكل الأجور الحقيقية للأميركيين للمرة الأولى منذ عام 2023 بعد احتساب تأثير التضخم. وارتفعت أسعار البنزين بنحو 50% منذ اندلاع الحرب، وفق بيانات رابطة السيارات الأميركية، كما سجلت أسعار تذاكر الطيران والإسكان والملابس والمواد الغذائية زيادات متتالية.
وشهدت أسعار البقالة خلال إبريل أكبر قفزة غلاء منذ عام 2022، فيما تجاوز سعر رطل اللحم المفروم سبعة دولارات للمرة الأولى، مع تراجع أعداد الماشية الأميركية إلى أدنى مستوى منذ 75 عاماً، بالتزامن مع وصول أسعار القهوة إلى مستويات قياسية جديدة. كما ارتفعت أسعار الفواكه والخضروات الطازجة والحليب والخبز، ما زاد الضغوط على الأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض، التي بدأت بالفعل تقليص إنفاقها على السلع غير الأساسية.
ونقلت بلومبيرغ عن كبيرة الاقتصاديين في ويلز فارغو (Wells Fargo & Co) سارة هاوس قولها إن الأسر الأميركية لا تستطيع ببساطة تأجيل شراء الوقود أو الغذاء، مضيفة أن ثمة أزمة غلاء "تضغط بقوة على ميزانيات الكثير من العائلات الأميركية".
ترامب تحت ضغط انتخابي بسبب غلاء المعيشة
هذا، ويواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطاً سياسية متزايدة مع تحول غلاء كلفة المعيشة إلى القضية الأكثر حساسية لدى الناخبين، بعدما كان قد تعهد خلال حملته الانتخابية بخفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية. وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، طرح ترامب مقترحات تشمل تعليقاً مؤقتاً لضريبة البنزين الفيدرالية، كما دعا الكونغرس إلى إقرار تشريعات إسكانية تهدف إلى خفض أسعار المنازل ومنع المضاربات العقارية.
لكن الديمقراطيين يهاجمون الإدارة الحالية، معتبرين أن التركيز على الحروب الخارجية جاء على حساب معالجة الأوضاع المعيشية داخل الولايات المتحدة، فيما يرى محللون أن الإجراءات المقترحة قد لا تكون كافية لتغيير مزاج الناخبين سريعاً.
ونقلت بلومبيرغ عن ترامب قوله، تعليقاً على تأثير الحرب على المستهلكين الأميركيين، إن "الأهم هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي"، مضيفاً أن أسعار النفط ستنخفض والأسواق ستنتعش بعد انتهاء الحرب.
ورغم أن بيانات بنك أوف أميركا أظهرت استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي، فإن مؤشرات أخرى تعكس تزايد الضغوط المالية على الأسر الأميركية. فقد سجلت ديون السيارات المتأخرة عن السداد مستويات قياسية، فيما ارتفعت معدلات التعثر في بطاقات الائتمان إلى أعلى مستوى منذ عام 2011، بحسب بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. كما تراجع مؤشر ثقة المستهلك الأميركي إلى مستويات تاريخية متدنية، حتى بين الجمهوريين أنفسهم، في إشارة إلى تنامي القلق من استمرار الغلاء لفترة أطول.
