عربي
كان واضحاً منذ إطلاق إسرائيل وأميركا حربهما المشتركة ضد إيران أن الشريكين وجداها فرصة كبيرة لتسريع تشكيل حلف أمني عسكري رسمي عربي إسرائيلي ضد طهران، خاصة بعد ردّ الأخيرة بقصف قواعد أميركية ومنشآت حيوية في دول الخليج العربي. لكن الحرب لم تنتج إجماعاً عربياً أو حتى خليجياً بالانضمام إلى "المعاهدة الإبراهيمية" التي وقّعتها إسرائيل مع الإمارات عام 2020، وانضمت إليها السودان والبحرين والمغرب، ولم تؤد إلى إجماع عربي بالانضواء تحت قيادة إسرائيلية - أميركية في الحلف الأمني المنشود. ولكن غياب الإجماع لم يكن نجاحاً تاماً، إذ حدث خرق غير مسبوق بصعود محور إماراتي إسرائيلي، يهدّد بشرخ غير مسبوق أيضاً. فرغم أن عدة دول وأطراف عربية مرتبطة بمعاهدات واتفاقيات مع إسرائيل منذ معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، لم تعلن أي دولة عربية حلفاً و/ أو تدعو إلى تعاون عسكري مع إسرائيل، على الأقل علناً، ولم يحدُث أن تعاونت دولة عربية على تسهيل خرق إسرائيلي، مثل ما فعلت الإمارات في "أرض الصومال"، فلولا شركة موانئ دبي العالمية، لما وجدت إسرائيل موطئ قدم في "أرض الصومال"، ولا فسحة لمد نفوذها في جزيرة سوقطرة اليمنية.
حذّرت مقالات عديدة للكاتبة من أن الاتفاقيات الإبراهيمية تختلف عن سابقاتها من الاتفاقيات الإسرائيلية العربية، وجميعها مدانة، فهي تضمن قبولاً بسيطرة إسرائيل على كل أرض فلسطين التاريخية. ولا ترى هذه الاتفاقيات أي مشكلة في بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي الفلسطينية، بل تقبل السردية الصهيونية لحروب إسرائيل ضد الفلسطينيين وضد جميع دول المنطقة، تحت حجة ما تسمّى "الديانة الإبراهيمية"، المفهوم المصطنع لتصوير إسرائيل دولة "حضارية" تمارس حقها في الدفاع عن النفس"ضد الإرهابيين والإرهاب"، فلا يوجد سبب للتعاطف أو التضامن مع فلسطين أو أي دولة تقصفها إسرائيل أو تحتلها.
لا توجد ديانة "إبراهيمية" حتى بين من يدّعون احترامها، لكنها شعار روّجته إسرائيل ودعمته أميركا، لإعطاء صبغة دينية أخلاقية وشرعية للمشروع الصهيوني في وجه الحق الفلسطيني والقانون الدولي ومفهوم حق الشعوب بالتحرر وتقرير المصير. وهي في حقيقتها أيضاً قبول بالمفاهيم الاستشراقية الاستعمارية بأن الموقف الحضاري يتطلب دعم إسرائيل. هي ليست أكثر من كذبة، فما يحكم كل هذه المسوغات هو المصالح. ولكن، أن يصل الأمر إلى أن تجد دولة عربية مصالحها مرتبطة بتصديق إسرائيل ومساندتها، فهذا ما وصلنا إليه.
لم يحدُث أن تعاونت دولة عربية على تسهيل خرق إسرائيلي، مثل ما فعلت الإمارات في "أرض الصومال"
الاندفاع العلني الذي وصل إلى حدّ أن يطالب مسؤول إماراتي دول الخليج بطلب مساندة إسرائيل وقبول هذه المساندة، لا يمكن التسليم به نتيجة لأن الإمارات تعرّضت لقصف إيراني. هذا يفسّر جزئياً هذا المنطق، فقد نجحت أميركا وإسرائيل كما يبدو بإقناع دولة عربية بأن العدو هو إيران، والصديق بل الحليف هو إسرائيل. ويمكن توجيه بعض اللوم إلى إيران.
ولكن، لولا الارتباط المسبق بفكرة التحالف مع إسرائيل لم يكن ليصدُر مثل هذا التصريح، فهناك خلل وانحياز إلى إسرائيل بدأ قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من استهدافٍ إيراني مواقع ومتشآت في الإمارات، بل إن حرب الإبادة في غزّة لم تؤثر سلباً على توطيد الإمارات علاقتها بإسرائيل. فما تكشّف عن تزويد إسرائيل الإمارات بالقبة الحديدية ومنظومة أسلحة تكنولوجية متطورة لمواجهة الصواريخ الإيرانية، لا يمكن أن يتم بدون ضمانات بأن هذا يخدم أهداف إسرائيل، والأهم؛ ينبىء بأن إسرائيل بدأت تعتبر الإمارات موقعاً متقدّماً في منظومتيها الأمنية والعسكرية، مع أن إسرائيل لا تثق بأحد خاصة الدول العربية.. أي إننا نشهد نشوء محور إسرائيلي إماراتي، له قواعد ارتكاز وسيطرة على ممرّات مائية وموانئ رئيسة من البحر الأحمر إلى الخليج العربي، فلولا أن هناك محوراً أمنياً له شروطه ومتطلباته لما كانت إسرائيل لتبعث جنودها، وفقاً للصحف الإسرائيلية، ولا منظومة أسلحة متطوّرة، كما كشفت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، في تحقيق نشرته عن عمق التعاون العسكري الإسرائيلي الإماراتي أول من أمس الجمعة.
الهدف الإسرائيلي الأميركي تقسيم المنطقة وتفكيكها تسهيلاً لبسط الهيمنة الإسرائيلية مترافقاً مع تصفية القضية الفلسطينية
عليه؛ لا يمكن فصل قرار الإمارات الانسحاب من منظّمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) و"أوبك+"، أو رؤيته خارج سياق التصعيد الإقليمي المتسارع بمباركة أميركية، فترحيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب واضح، فالانسحاب كما يقول هو سيخفّض من أسعار النفط، وهذا مهم ليس فقط اقتصاديّاً، بل لإضعاف إيران والنظام الإيراني، وسحب الإمارات من المنظومة العربية. وما نشر عن احتمال انسحاب الإمارات من مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية يؤشّر إلى ضغوط أميركية في هذا الاتجاه؛ فالهدف الإسرائيلي الأميركي تقسيم المنطقة وتفكيكها تسهيلاً لبسط الهيمنة الإسرائيلية مترافقاً مع تصفية القضية الفلسطينية. أما الهدف المباشر فهو السعودية؛ فعين إسرائيل وأميركا كانت منذ سنوات على إدخال السعودية في الاتفاقيات الإبراهيمية، فهي "الجوهرة" المبتغاة. ولا تستطيع أي دولة خليجية أخرى لعب الدور اللازم لضمان انضمام الدول العربية إلى الاتفاقيات وإلى الحلف الأمني العسكري بقيادة إسرائيل وأميركا، أي ما يسمّى "الدرع الإبراهيمي". ولكن السعودية اختارت عدم الانجرار نحو موقف انعزالي، بل كما يبدو تقارب موقفها مع قطر، برؤية مختلفة تماماً عما تدفع إليه أميركا من توظيف الحرب لإبعاد دول الخليج العربي عن إجماع عربي ولو بحدّه الأدنى، الذي ما يزال يرفض الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي والأطماع الإسرائيلية المعلنة بالتمدّد والاستيطان في فلسطين والدول العربية. فما سعت إليه أميركا وإسرائيل، واعتقادهما أن الحرب هيأت الأجواء للسعودية لقبوله، لم يحدث، لأنهما، وهما اللتان تعتمدان على بطش فائض القوة العسكرية لفرض شروطهما، لم تنتبها إلى أن الحرب أثبتت لدول الخليج أيضاً أن واشنطن لا تهتم بحمايتها ولا سلامتها ومستعدّة لتقويض استقرار حلفائها الخليجيين واقتصادهم من أجل إسرائيل. وكذلك للحفاظ على ما تراه واشنطن حقها في البقاء القطب الأوحد والقوة العظمى الوحيدة التي تتحكّم في العالم، فيما بدأت دول العالم ترى ملامح تآكل نفوذ أميركا عالمياً، أي إن إرادتها ليست مصيراً حتميّاً. ولكن هذا لا يخفّف من خطر الخرق الإسرائيلي الأميركي؛ فإسرائيل استطاعت أن تضع الإمارات في مواجهة السعودية، وهذا ليس نجاحاً إسرائيليّاً أميركيّاً محضاً، فكما يبدو أن هناك قوة صاعدة تعتقد أن إسرائيل هي المفتاح السحري الذي يجعلها لاعباً رئيساً أو اللاعب الرئيس في المنطقة. لكنها لعبة خطيرة، فإسرائيل تطلب الخضوع للمشروع الصهيوني وتتوقّعه، ولا تعترف إلا بأتباع، يكونون شهود زور لتشريع مجازرها وتمددها العسكري في المنطقة.
مواجهة المحور الصاعد، ولا أقصد هنا مواجهة عسكرية، لا يمكن إلا بـ"لملمة" الوضع العربي، والبدء بإعلان واضح يحدّد الموقف من الخطر الإسرائيلي، ليس على فلسطين والدول العربية المجاورة لها فحسب، وإنما أيضاً على جميع الدول بما في ذلك الإمارات. ولكن الأهم أن تبادر كل من السعودية وقطر بالتحرّك، أو أن تتحرّك السعودية بوصفها إحدى الدول الرئيسة في الخليج وفي العالم العربي، والأقوى والأقدر خليجياً على التحرّك بدعم من قطر، لاجتماع عربي وإعلان موقف بالتنسيق مع مصر، يُخرِج العالم العربي من دوامة اللعبة الأميركية الإسرائيلية.
موقف يبدأ بإعلان عدم التخلي عن القضية الفلسطينية، ومن ثمّ عن الأمن القومي لكل دولة عربية وسلامتها من الخطر الإسرائيلي، بما في ذلك الإمارات، فالتحالف الموهوم يضعها في ساحة منعزلة في مواجهة الوحش الذي لم تعرفه بعد.

أخبار ذات صلة.
حرية الصحافة في سورية
العربي الجديد
منذ 29 دقيقة