عربي
يحلّ الأول من مايو/أيار، "عيد العمال العالمي"، محمّلاً بإرث نضالي وُلد من رحم المواجهة. من شيكاغو الأميركية إلى أحداث هايماركت، في إضراب الأول من مايو في 1886، حيث تحوّلت مطالب العمّال بتحديد ساعات العمل إلى صدام دموي، ترسّخ هذا اليوم رمزاً للعدالة الاجتماعية. آنذاك، كان العمّال يعملون حتى 16 ساعة يومياً في ظروف قاسية، مطالبين بحقوق أساسية باتت اليوم من المسلّمات. قبل ذلك، صاغ كارل ماركس وفريدريك إنجلز في البيان الشيوعي (1848) نداء "يا عمّال العالم اتحدوا"، في دعوة لتجاوز الحدود القومية ومواجهة الاستغلال الرأسمالي. تحوّل الشعار إلى ركيزة للحركات النقابية والاشتراكية ويسار الوسط، وأسهم في تشكيل السياسة الأوروبية لعقود.
لكن بعد أكثر من قرن، تغيّر العالم… وتغيّر معه العامل. لم تعد الطبقة العاملة كتلة صناعية متجانسة داخل مصانع كبرى. الاقتصاد الخدمي، والعمل الحرّ، والشركات العابرة للحدود أعادت تعريف العمل، وفتّتت الهوية الطبقية. ومع العولمة، نُقلت الصناعات إلى دول منخفضة الكلفة، فاشتدت المنافسة بين العمّال أنفسهم، بدل تضامنهم. في الوقت ذاته الذي توسع فيه الاستغلال، صعدت الفردانية، وتراجع الإيمان بالنضال الجماعي، خصوصاً مع ابتعاد الكثير من الأحزاب عن خطابها الطبقي بعد نهاية الحرب الباردة.
المفارقة أن خطاب "الدفاع عن العمّال" لم يختفِ، بل تبدّل موقعه. في الولايات المتحدة، قدّم دونالد ترامب نفسه مدافعاً عن "الطبقة العاملة"، لكن البيضاء على وجه التحديد، بينما تميل أوروبا نحو أيديولوجيات وقوميات محافظة تربط قضايا العمل بالهجرة والهوية. ويبدو يسار الوسط أكثر ميلاً للتكيّف، مكتفياً بحماية مكتسبات قائمة.
في المقابل، انتقلت كلفة هذا التحسن إلى الجنوب العالمي، حيث تتكرر أشكال الاستغلال بأدوات جديدة: أجور منخفضة، حماية ضعيفة، وقيود على العمل النقابي، وتراجع للعدالة الاجتماعية. يترافق ذلك مع تحالفات بين السلطة ورأس المال ونشوء اقتصادات خدمية، تعمّق الفجوة الاجتماعية. ومع ذلك، لم تختفِ الحركة العمّالية، بل أعادت تشكيل نفسها. لم يعد الصراع محصوراً بين عامل وصاحب مصنع، بل داخل اقتصاد ذكاء اصطناعي ورقمي معولم، حيث تظهر أشكال احتجاج مرنة، ويعود النقاش حول عدم المساواة بقوة، وخصوصاً مع القمع وغياب الحريات الأساسية، بما فيها السياسية، وباقي الحقوق، التي لا تشمل فقط الطبقات العاملة. ربما تراجع الشعار بما هو صوت جماعي، لكن معناه لم يتلاشَ. فطالما استمر التفاوت بين العمل ورأس المال، سيبقى السؤال قائماً: من يوحّد العمّال في عالم لم يعد فيه العامل كما كان؟
