عربي
بعد ثلاث سنوات من كارثة الزلزال الذي ضرب تركيا في فبراير/ شباط 2023، وأسفر عن مقتل 53 ألف شخص على الأقل، يرفض سكان مدينة أنطاكيا خطط إعادة الإعمار التي يعتبرون أنها تُهدد بإفراغ المدينة وتعرّض هويتها متعددة الثقافات للخطر. وقال صلاح الدين يوغورتشوغلو (68 سنة): "لم يعد أي شيء كما كان قبل الزلزال. سيهدمون الحي لبناء دارات للأثرياء، وسيطردوننا ويرمون بنا عند سفح جبل، ولن نستطيع حتى شراء أرضنا".
وكانت المدينة القديمة في أنطاكيا تضم أكثر من 13 ألف نسمة قبل الزلزال، لكن لن يبقى فيها سوى عدد قليل جداً من المنازل، بحسب ما تظهر خطة إعمار جديدة مثيرة للجدل تلحظ نقل معظم السكان إلى منطقة مصنّفة بأنها "أكثر استقراراً" تقع عند سفح جبل حيث تبني فيها وكالة "توكي" الوطنية للإسكان الاجتماعي شققاً.
وتُصنَّف أحياء كثيرة في أنطاكيا باعتبارها "خطرة أو محمية"، ما يمنح الدولة سيطرة كاملة على مصير العقارات، من دون أي ضمان لعودة السكان. وحتى المباني التي تعرضت لأضرار طفيفة من الزلزال تواجه خطر الهدم لذا رفَع بعض السكان على منازل وسط المدينة لافتات كُتب عليها "لا أضرار. السكان موجودون"، لمحاولة منع هدمها.
وقال كمال أريباس (65 سنة): "ليست أنطاكيا التي تتميّز بتعدد الثقافات فيها وبتعايش مجموعات مختلفة، مجرد فكرة أو تصوّر شائع، بل هي حقيقة قائمة، لكنها مهددة الآن بعد نقل السكان إلى أماكن تبعد عشرات الكيلومترات". أضاف: "يُعاد بناء المحال والمعالم التاريخية، لكن أين سيعيش الناس المُستبعدون من الخطط التي تحدد مصيرهم". وعلّق عالم السياسة المتخصص في هذا الملف هارون أصلان: "لم يُسمع رأي السكان. عملية البناء غامضة جداً ويصعب الطعن بالقرارات التي تمنع البناء في المناطق المحمية وتلك المعرضة للخطر، لذا يضطرون إلى الانتقال بعيداً عن وسط المدينة للاستقرار في شقق تبنيها وكالة توكي".
وأشارت وزارة التخطيط العمراني التركية إلى أنّ أكثر من 100 ألف مبنى دُمّر أو تضرر بشدة جراء الزلزال الذي ضرب محافظة هاتاي التي تضم أنطاكيا، وأكدت أنها أنشأت أكثر من 85 ألف وحدة سكنية فيها بنهاية عام 2025. وأوضح أصلان أن "الدمار في أنطاكيا كبير لدرجة أنّ الانسجام المعماري داخلها تبدّد، وإعادة الإعمار تعني تحويل المدينة إلى شقق سكنية، لأن السكان لا يملكون أي رأي في ما يخص مصير بيوتهم".
وقال مختار منطقة فوزي جاكماك المركزية شفيق فاتح أوغلو: "كان يُفترض أن أعيد بناء بيتي على أرض أجدادي، أو أن تتولى الدولة ذلك، لكن هذا الأمر غير ممكن، وطُلب منا ببساطة الانتظار والصبر".
وقال يورجيس فيلتشينسكاس، نائب رئيس وفد الاتحاد الأوروبي إلى تركيا، خلال زيارته أنطاكيا أخيراً: "يخشى السكان عدم قدرتهم على إعادة بناء مجتمعاتهم والعيش في الأماكن نفسها مجدداً. كل شيء سيتوقف على الحلول المحلية، ونشدد على أهمية الحوار". وقد خصص الاتحاد الأوروبي نحو مليار يورو لتمويل المستشفيات والمدارس والإسكان المؤقت وترميم المعالم التاريخية في المحافظات الـ11 المتضررة من الزلزال، لكن أريباس قال: "كنا نتمنى أن تولي أوروبا أهمية لمصير السكان في المشاريع التي تمولها".
(فرانس برس)
