حكاية عاشق من حارتنا
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
(1): حكاية (نديم الْمَدَاعَة) الْمَدَاعَة بالعامية اليمنية هي اسم النَّارَجِيلة أو الأرجيلة أو الشيشة. يقول عنها الأستاذ مطهر الإرياني: "وهي تختلف عن الأرجيلة الشائعة في بلاد الشام أو الشيشة الشائعة في مصر، بأنَّها أكبر حجمًا وأطول قصبة، وحبتها من النارجيل الهندي، والبوري الذي يوضع فيه التنباك وعليه النار أكبر حجمًا". ولا أدري من أين اشتقاقها اللغوي، وقد اشتقت اللهجة العامية من اسمها فعلًا مضارعًا، وهو (يمدّع) أي يدخّن بها التنباك، تمامًا مثل يشيّش من الشيشة. مهووسون كُثر في حارتنا بالْمَدَاعَة، خصوصًا كبار السن، لكن في الآونة الأخيرة بدأ جيل الشباب ينافسهم عليها، ولو في شكلها الصغير كالشيشة أو الأرجيلة. وقد ذاع صيت أحد هؤلاء، حتى قيل إنَّ الْمَدَاعَة تكاد لا تفارق مجلسه، سواءٌ في بيته أو أي مجلس يذهب إليه، فلا تحلو الجلسة إلّا بحبيبة القلب، كما يقول! ينفق صاحبنا جُلَّ دخله على الْمَدَاعَة ولوازمها، بل لقد عيّن عاملًا يدير عملية تجهيز الْمَدَاعَة من الألف إلى الياء؛ شراء التنباك، وإيقاد النار، وتغيير ماء الْمَدَاعَة... إلخ. وصار هذا العامل جليسه الدائم، ولا غرابة، فهو مدير الكيف الذي يبحث عنه صاحبنا في كلِّ جلسة مع حبيبة القلب، فماذا أبقى لأسرته من دخله الشهري؟ ليس هناك دخل شهري ولا هم يحزنون، فصاحبنا يعمل سمسارًا في تسيير أمور الناس في الحارة؛ إذ يقصده كلُّ صاحب معاملة كي ينجزها في جلسات الصفاء مع علية القوم. إذن، لم يكن هذا الهوى بحبيبة القلب من فراغ، فهي مفتاح كلِّ الأبواب المغلقة. ولله في خلقه شؤون. (2): حكاية (العاشق الولهان) واحد من عشّاق حارتنا العتيقة، فهذه الحارة، مثل أي حارة تحترم نفسها، لديها جملة ممّن صهرتهم نار العشق، واحترقوا في أتونه، حتى تصاعدت آهاتهم وملأت أرجاء الحارة! غير أنَّ هذا العاشق الولهان حالة مميزة عن كلِّ هؤلاء، وذلك أنَّه يطارد خيط دخان، كما يقول نزار قباني. فصاحبنا يعشق امرأة مجهولة؛ فلا نعرف لها اسمًا ولا شكلًا إلّا ما جادت به قريحة هذا الشاعر من قصائد، وهو يصفها كملاك يمشي على الأرض. في جلسة جمعتني به ذات زمن قلتُ له: أنا لا أصدق أنّك تعشق امرأة حقيقية من لحم ودم! حدجني بنظرة ضيقة وقال: حتى أنت تظنني أعشق وهمًا؟ قلتُ: هي امرأة من وحي أفكارك، صنعها عقلك الباطن، لكي تكتب الأشعار. قال: بل هي امرأة من لحم ودم. ملتُ نحوه وقلتُ في حدّة: حسنًا، ما اسمها؟ أين تسكن؟ قال: إني أتحفّظ عن ذكر اسمها، ليكن ليلى! ضحكت وأنا أقول: ليلى؟ كلُّ العشّاق يحلمون بليلى، لم تأتِ بجديد. قال: ألم تقرأ قولي: يا قيسُ إنّا سويّا في الحبِّ هذا سجينُ ليلاك حبٌ مُذالٌ ليلاي حبٌ مصونُ؟ إنَّ ليلاي حب مصون، وليس مُذالًا، أي مفضوحًا، لكلِّ العالمين. قلتُ: ليكن، فلنسمِّها ليلى، هل تسكن في حارتنا؟ قال: لا.. وكفى أسئلة، وكأنّي في قسم تحقيق وليس في بيتي. صدّقوا أو لا تصدّقوا أنتم أحرار، المهم أنا مَنْ يعيش التجربة. لم أجد ما أجادل هذا العاشق الولهان، فتركته لهواه ولحبيبته ذات الحب المصون. (3): حكاية (الحلّاق الثرثار) لم أكن أعرف أنَّ الحلّاقين ثرثارون حتى تعرّفت على حلّاق حارتنا عن قرب، فلقد سايرته زمنًا لا بأس به، فوجدته جهاز إرسال لا يتوقف عن الثرثرة. لا يكاد الزبون يستقر على كرسي الحلاقة حتى ينطلق حلّاقنا الهمام يسأله عن حاله وأحواله، ثم ينعطف به، ويده تمسك بالمقص وتعبث برأسه، إلى حكايات لا أول لها ولا آخر عن فلان وفلانة وعلّان وعلّانة. بيد أنَّ الزبائن يتباينون في ردود أفعالهم؛ منهم مَنْ يساير كلام الحلّاق ويكاد يستزيده في الحكي! أو متضجّر لكنَّه صامت على مضض حتى ينتهي من حلاقة رأسه، أو ضيّق الصدر يأمر الحلّاق بصرامة أن ينتهي من عمله بصمت وبلاش (رغي) "دوّخت لي رأسي"! كنتُ، وما زلتُ حقيقةً، أستغرب من صنبور الحكايات هذا من أين يتدفق لدى هذا الحلّاق؟! وقد سألته ذات يوم عن ذلك، فأجاب باسماً: الحياة يا صديقي، تعلّمك ما لم تتعلّمه في المدارس والجامعات. فأنا صحيح لم أذهب إلى المدرسة ولا حظيت بتعليم حقيقي، وبالكاد أفك الخط، لكنّي تعلّمت الكثير في هذا الصالون. ثم مال نحوي وتابع: الزبون يريد مَنْ يسليه، ولا يوجد شيء مسلٍ مثل الحكي، والناس تحب القيل والقال... قاطعته قائلًا: ولكنَّك تتحدث بنميمة عن أناس في حارتنا، فهل هذه الحكايات حقيقية؟ ابتسم وقال: مَنْ سيبحث عن صدق الحكايات من عدمه؟ الناس تريد أي كلام (تمشّي) به وقتها والسلام. قلتُ: ماذا لو سمعك أحدهم وأنت تحكي عنه حكاياتك الخرافية؟ قال: سهل، سأقول سمعتها من أناس جاءوا إلى صالوني. صدّقني لا أحد هنا يحاسب أحدًا على الحكي، وحارتنا تعشق النميمة حتى الثمالة. تركته وأنا محتار، لا أدري كيف أحكم على هذا الحلّاق الثرثار، لذا سأترك الحكم لكم. وتستمر الحكايات..

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية