عربي
طالعتنا الأخبار من مالي بهجمات قادتها الحركات الأزوادية انتهت إلى تحكُّم تام في كيدال، المدينة الاستراتيجيّة، بما ينذر بتداعيات وخيمة على المنطقة بأكملها، وبما يجعل ترميم العلاقات وإنهاء الخلافات صعباً حتّى لا يتفاقم الوضع وتتحوّل الهشاشة إلى فشل.
يزداد الوضع سوءاً في مالي، العقدة المتبقية لإصلاح انحراف متناغم، بمفارقة عجيبة، غير مقبولة جيوسياسياً، حتّى مع وجود أكثر من طرف يعمل على مساندة الانقلابيين بالسّلاح وبالمليشيات ("فاغنر" ثمّ الفيلق الأفريقي... الروسيّان) بالإضافة إلى التّدريب من مستشارين عسكريين، وذلك بعد إبطال اتّفاق الجزائر لإصلاح الوضع ومنعه من التّردّي بسبب الخلافات بين باماكو، موقع السُّلطة المركزية في مالي، والأزواديين الممثّلين لسكّان الشّمال المالي، المشتكين من اختلال التّوازنات، في تعاملات السُّلطة، منذ الاستقلال، على كل المستويات، خصوصاً الاقتصاديّة منها.
يحتاج الوضع إلى فهم لتفاعلات استراتيجيّة أدّت إلى موجة من الانقلابات في ثلاثة بلدان مفتاحيّة في ساحل هشّ في 2022 كانت أعضاء في تحالف عسكري تقوده فرنسا (خمسة جيوش من موريتانيا ومالي والنّيجر وبوركينا فاسو وتشاد). وبسبب تغيُّر الشّراكات ضدّ فرنسا، جاءت الانقلابات والتّدخُّل من قوى عالميّة (روسيا) ومساندة قوى إقليمية بالعتاد (تركيا)، لتفاقم الوضع، خصوصاً أنّ هذا تزامن مع عاملَين مهمّين، توتير العلاقات مع الجزائر وإبطال اتّفاق الجزائر للعام 2015، المرجعيّة التي كانت ستؤدّي إلى إصلاح الوضع في مالي ومنع الوضع المتردّي من التّحوُّل إلى فشلٍ بدأت ملامحُه تظهر في مالي، بصفة خاصّة.
بقصد قراءة يمكن عدُّها تقدير موقف، بلغة استعلاميّة، من خلال ثلاث زوايا تشكّل، في محصّلتها، تقييماً للوضع واستنتاجاً لمآلاته، على المدى المنظور. ولعلّ أولى تلك الزّوايا إشكاليّة خيرات الشّراكات التّي جرى، من خلالها، استبدال الشّراكة التّاريخية مع فرنسا بشراكة تشبهها في كلّ شيء إلّا في اسم الشّريك، وهي تلك التّي جرى ربطها مع روسيا، من ناحية، وتركيا، من ناحية أخرى من دون أن يكون لهذا أثر على الأمن ولا التّنمية، وبخاصّة أنّ هذا الحال أيقظ الجماعات الإرهابيّة من سباتها، والكيانات الانفصاليّة من القدرة على إثبات أنّ لها إمكانية لزعزعة الأمن وفرض التّوجُّه نحو الاستقلال/الانفصال أو الفيدرالية، على أقلّ تقدير.
ما حدث في السّاحل، في 2022، ترافق مع الخروج على توافق ضمني أساسه الشّراكة في إدراك وحدة الفضاء الأمني من حيث هندسته ورفع تحديات تهديداته
الزّاوية الثّانية أنّ ما حدث في السّاحل، في 2022، ترافق مع الخروج على توافق ضمني أساسه الشّراكة في إدراك وحدة الفضاء الأمني من حيث هندسته ورفع تحديات تهديداته، وخصوصاً مع الجزائر، وهو الأساس الذي شكل القاعدة للوساطة الجزائريّة، ثمّ توقيع وثيقة مرجعية، هي اتّفاق الجزائر للعام 2015 الذّي أضحى أثراً بعد عين، إثر إبطال مالي له، وإعلان تصنيف الحركات الأزوادية إرهابيةً، ليكون هذا منطلق كلّ المشكلات التي نراها حالياً، وقد تعصف بالدّولة الماليّة، وتنشر الفشل الذي، من وحي ذلك التّوافق السّاحلي- الجزائري الضّمني، تحاول لملمته بترميم علاقاتها مع دول السّاحل، الواحدة بعد الأخرى، بعد طيّ ملفّات الخلافات، تباعاً، مع النيجر وبوركينا فاسو، وبناء جسور عميقة للشّراكة مع تشاد، مع زيارة رئيس هذا البلد، محمد إدريس ديبي، الجزائر.
وتتعلق الزّاوية الثالثة بتوقيت الرّفع من وتيرة الهشاشة، لتصبح فشلاً في مالي، بازدياد عدد الهجمات، وبتحوّلها من عمليّات إرهابيّة إلى عمليّات تستهدف الدّولة المالية، وإدخال البلاد في فراغ سياسي واستراتيجي. وتتزامن هذه الإشارة مع النجاح الجزائري في ترميم العلاقات مع السّاحل، بفعل استراتيجي استهدف الاستمرار في الجمع بين التّنمية والأمن، في حزمة مداخل لاستعادة مستوى جيد من العلاقات، من ناحية، وبروز احتمالات لردم هوّة الخلاف مع مالي، بخطاب سياسي جزائري ينظر إلى السّاحل نظرة إدراك حيويّة للعمق الاستراتيجي، من ناحية أخرى. وكأنّ هذا التّدهور في الأوضاع في مالي جاء ليوقف ذلك الفعل الاستراتيجي في ترميم العلاقات الجزائريّة- السّاحليّة، ويعيدها إلى مربّعها الأوّل، التّوتُّر، بالرّغم من تضمُّن بيان تحالف دول السّاحل إشارات تهدئة الأوضاع ورغبة ملحّة بعدم ذكر الجزائر الطّرف الذّي قد يكون وراء تلك العمليّات.
أمن السّاحل من أمن الجزائر برؤية تعاضديّة من خلال إعادة الحياة للوساطة بروح مبادرة اتّفاق الجزائر لإصلاح الوضع في مالي، مع تعديلاتٍ تتكيّف مع الوضع الجديد
يبدو من حجم العمليّات التي استهدفت مالي أنها تستهدف الفعل الاستراتيجي الجزائري الذّي نجح، في فترة قصيرة، في ترميم علاقاته مع عضوَين في تحالف دول السّاحل، النّيجر وبوركينا فاسو، وبالأدوات التّي كانت الجزائر تؤكّد، دوماً، أنّها الأنجع في منع المنطقة من الانزلاق نحو الفشل، أي التّنمية والأمن، كلتاهما وفي آنٍ، وكأنّ من خطّط ونفّذ يريد توريط الجزائر، من جهة، وإفشال المسار التّصالحي من أن يصل إلى مالي، من جهة ثانية. وبخاصّة أنّ التّنمية التي تعمل من خلالها الجزائر مع السّاحل استهدفت ملفَّين ثقيلَين؛ خط أنابيب الغاز بين نيجريا والجزائر مروراً بالنّيجر، ورفع تحدّي فتح منافذ للدُّول السّاحلية الحبيسة من خلال ربطها بمشاريع سكك الحديد وشبكة الطُّرق التي تعمل الجزائر على إنجازها، لتكون هي الرّابط بين الشّمال الجزائري وعواصم دول السّاحل، مروراً بالجنوب الجزائري، ما كان سيفتح آفاق تعويض السّاحل عن مداخل للتّنمية، تنسيها عدم توفُّرها على منافذ بحريّة لتجارتها ولمواردها تصديراً واستيراداً.
ملف آخر، ربما يشكل محور تخطيط من نفذ عمليّات توتير الوضع في مالي، أخيراً، وهي محاولة الجزائر توفير بديل لانقطاع سلاسل التوريد بسبب غلق مضيق هرمز، خصوصاً بشأن الأسمدة والفوسفات؛ لأنّ الأمن الغذائي من بين مسبّبات الهشاشة، وربما الفشل، إذا لم يجرِ رفع الحظر عن تصدير تلك المواد الاستراتيجية، باعتبارها أساسية في الفلاحة وفي إنتاج الغذاء في دول تعاني، أصلاً، إشكالية الأمن الغذائي.
ماذا عساها أن تفعل الجزائر أمام هذا الوضع الذي يريد إفشال فعلها الاستراتيجي؟ إنه السُّؤال الملح الذّي يجب طرحه بمرجعيّة الدّور المحوري للجزائر في تقليص فضاء الهشاشة من أن يتحوّل إلى فشل من خلال مدخلَي التّنمية، أي الاقتصاد الذي تعاني بشأنه دول السّاحل قاطبةً، ومدخل الأمن بقصد منع أدوات توتير الوضع من تدخُّل قوى دولية وإقليمية، وانخراط جماعات إرهابية وأخرى انفصالية في نشاطات مضرّة باستقرار الفضاء السّاحلي، وتداعيات هذا كلّه على أمن الجزائر القومي، ودورها المحوري في السّاحل.
هناك إمكانية لفعل استراتيجي، وهو متوفر ومتاح، بإرادة جماعيّة تشمل الفضاء السّاحلي- الصحراوي، وبمحوريّة دور جزائري أضحى حيويّاً
نصل، هنا، إلى ما يمكن أن يقلب السّحر على السّاحر، أنّ ما يمكن أن تفعله الجزائر لإفشال مخطّطات من يريد فشلها في إعادة الوزن إلى دورها الحيوي في السّاحل. ويتعلّق الأمر بالفعل الاستراتيجي الذي يجب ألّا يتوقّف، بل يجب أن يكمل مساره بالتّأكيد أنّ أمن السّاحل من أمن الجزائر برؤية تعاضديّة من خلال إعادة الحياة للوساطة بروح مبادرة اتّفاق الجزائر لإصلاح الوضع في مالي، مع تعديلات تتكيّف مع الوضع الجديد في الدّولة الجارة في السّاحل بعد الانقلاب، وفي سبيل أن يتأكد للجميع أن سياق ترميم العلاقات مع السّاحل لا يُلقي بالاً إلى الأمن والاستقرار والتّنمية، وبأنّ الأمر يشمل كلّ الفضاء السّاحلي المحاذي للحدود الجنوبية للجزائر، ربّما مع محاولة توسيع تحالف دول السّاحل، ليكون تحالفاً لدول الفضاء السّاحلي- الصحراوي بعضويّة تشاد وبوركينا فاسو ومالي والنّيجر وموريتانيا والجزائر، مع تضمين ميثاق التّحالف مبادئ التّنمية والأمن والاستقرار، لتكون هي المحور، إضافة إلى رفع التّحالف إلى شراكة شاملة، تمنع من انفراطها، مستقبلاً، كما جرى في أعقاب موجة الانقلابات في عام 2022.
بين الهشاشة والفشل، هناك إمكانية لفعل استراتيجي، وهو متوفر ومتاح، بإرادة جماعيّة تشمل الفضاء السّاحلي- الصحراوي، وبمحوريّة دور جزائري أضحى حيويّاً بعيداً عن انخراط بعضهم في شراكات لا تغني ولا تسمن من جوع، إذ يجري استبدال مسبّبات الفشل بمسبّبات أخرى تشبهها في المضمون، وتختلف عنها في الشّكل فحسب، ما جعل من المنطقة لا تكاد تخرج من هشاشة إلّا وتكون جاهزة لهشاشة أخرى مساوية لها في العمق وفي التّداعيات على الجميع من الجزائر إلى عمقها السّاحلي.
