عربي
اتخذ الاتحاد الدولي لكرة القدم قراراً نوعياً غير مسبوق، في خطوة تُعيد رسم حدود العلاقة بين السياسة والرياضة، من خلال فتح الباب أمام لاعبات أفغانستان لتمثيل بلادهن دولياً، رغم القيود المفروضة داخل بلادهن، وذلك بالتعاون مع الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.
إصلاح يتجاوز القواعد التقليدية
صادق مجلس فيفا على تعديل جوهري في لوائح الحوكمة، يسمح له - بالتشاور مع الاتحاد القاري - بتشكيل منتخب أو فريق تمثيلي والمصادقة عليه في "ظروف استثنائية"، عندما يتعذر على الاتحاد الوطني القيام بهذا الدور، ويُعد هذا التعديل تجاوزاً واضحاً للقاعدة التقليدية التي كانت تشترط اعتراف الاتحاد المحلي حصراً لتمثيل أي منتخب في المسابقات الرسمية.
في الحالة الأفغانية، حيث يمنع الاتحاد المحلي الخاضع لسلطة حركة طالبان ممارسة كرة القدم النسائية، وجدت اللاعبات أنفسهن في ما يشبه "المنفى القانوني"، غير قادرات على تمثيل بلادهن رغم امتلاكهن المقومات الرياضية، وجاء التعديل الجديد ليكسر هذا الحاجز، ويمنحهن اعترافاً رسمياً للمرة الأولى.
"أفغانيات متحدات" يتصدرن المشهد الدولي
ويشمل القرار المتخذ فريق "أفغانيات متحدات"، المدعوم من الفيفا، والذي يضمّ لاعبات أفغانيات مقيمات خارج البلاد، وبموجب هذا الإصلاح، سيتمكن الفريق من خوض مباريات دولية رسمية ضمن مسابقات الاتحاد الدولي للعبة، مع اعتراف رياضي كامل، في خطوة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ اللعبة.
وسيُشرف فيفا مباشرةً على تنفيذ هذا التعديل، عبر توفير الدعم الإداري والبشري والمالي، إلى جانب وضع إطار تنظيمي يضمن مساراً احترافياً وآمناً ومستداماً للفريق خلال المرحلة الانتقالية التي قد تمتد حتى عامين، كذلك سيخوض الفريق معسكراً تدريبياً بين 1 و9 يونيو/ حزيران في نيوزيلندا، يتخلله لقاء مع منتخب جزر كوك.
إنفانتينو: خطوة غير مسبوقة في الرياضة العالمية
وقال إنفانتينو في أول تعليقٍ رسمي بعد هذا القرار التاريخي: "صادق مجلس فيفا على إدخال تعديل بالغ الأهمية على لوائحه المعنية بالحوكمة، بحيث يُسمح بموجبه للاعبات كرة القدم الأفغانيات، ومن بينهن فريق أفغانيات متحدات المموَّل والمدعوم من قبل الاتحاد الدولي، بتمثيل بلادهن في مباريات دولية رسمية ضمن مسابقات الفيفا، بالاتفاق مع الاتحاد القاري ذي الصلة، وفي هذه الحالة، مع الاتحاد الآسيوي لكرة القدم".
وأضاف: "تُمثِّل هذه خطوة قوية وغير مسبوقة في الرياضة العالمية. في إطار مسؤوليته لحماية حقوق كل فتاة وامرأة في لعب كرة القدم والتعبير عن نفسها، أصغى الفيفا إلى أصوات أولئك اللاعبات. ومن خلال تمكين الأفغانيات من تمثيل بلادهن في المباريات الرسمية، ها نحن نترجم مبادئنا إلى خطوات فعلية على أرض الواقع. الفيفا فخور بالاضطلاع بدور قيادي في هذه المبادرة التاريخية، والوقوف صفاً واحداً إلى جانب أولئك اللاعبات الشجاعات داخل الملعب وخارجه".
ترحيب دولي
لاقى القرار ترحيباً واسعاً من شخصيات رياضية وحقوقية، حيث اعتبرت نادية نديم التي وُلدت في أفغانستان، ومثّلت الدنمارك دولياً في أكثر من 100 مباراة أنّ هذه الخطوة "تعترف بحق اللاعبات الأفغانيات في التنافس والظهور ونيل الاحترام"، مشيرة إلى أنها تُبرز قدرة الرياضة على إحداث التغيير عندما تقاد بالقيم.
من جهتها، قالت القائدة السابقة للمنتخب الأفغاني خالدة بوبال: "تمثيل أفغانستان بالنسبة إلى هؤلاء اللاعبات ما هو إلا تجسيد للهوية والكرامة والأمل، فيفا أصغى إلى مطلبهن الأكبر وقدم حلاً لم يسبق لأي رياضة أخرى أن توصلت إليه". أما أندريا فلورانس، المديرة التنفيذية لمنظمة تحالف الرياضة والحقوق، فوصفت القرار بأنه "سابقة عالمية تُظهر قدرة الهيئات الناظمة على تكييف لوائحها لحماية حقوق الإنسان في ظروف استثنائية".
تاريخ منتخب أفغانستان للسيدات
تاريخياً شُكّل منتخب أفغانستان للسيدات عام 2007 من قبل اللجنة الأولمبية الوطنية الأفغانية، وضمّ لاعبات من طالبات المدارس في كابول، وفي محاولة لتحسين مستوى كرة القدم النسائية، أُرسل الفريق إلى ألمانيا عام 2008 لإقامة معسكر تدريبي، وسافر لاحقاً إلى الأردن للمشاركة في بطولة للدول الإسلامية.
وشهدت بطولة اتحاد جنوب آسيا لكرة القدم للسيدات 2010 في بنغلادش أول ظهور لأفغانستان في بطولة دولية كبرى، وخاض الفريق أول مباراة رسمية له ضد نيبال، حيث مُني بهزيمة ساحقة بنتيجة 13-0، فيما كان عام 2016 عاماً حافلاً بالإنجازات للمنتخب الوطني الأفغاني للسيدات، إذ تلقى دعماً من الاتحاد المحلي للعبة، وعُيّن طاقم فني جديد، ضمّ المدربة الرئيسية كيلي ليندسي، والمدربة المساعدة هايلي كارتر.
وعرف شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 صدمة بعد اتهاماتٍ وجّهت إلى موظفين ذكور في الاتحاد الأفغاني لكرة القدم بالاعتداء الجنسي والجسدي على لاعبات المنتخب الأفغاني، وكان من بين المتهمين رئيس الاتحاد، كرام الدين كريم، الذي فرض عليه الاتحاد في عام 2019 حظراً مدى الحياة ومنعه من ممارسة أي نشاط متعلق بكرة القدم، بعدما أثبت تحقيق إدانته بتهمة "استغلال منصبه والاعتداء الجنسي على لاعبات".
بعد سيطرة حركة طالبان على أفغانستان في أغسطس/ آب 2021، أجليت لاعبات المنتخب الوطني من البلاد، ولاحقاً حُظرت الرياضة النسائية في البلاد، بما في ذلك كرة القدم، وبالتنسيق مع سلطات ست دول، سهّلت قائدة الفريق، خالدة بوبال، والاتحاد الدولي للاعبات المحترفات، عملية إجلاء اللاعبات وعائلاتهن.
وفي شهر مايو/ أيار 2025، وافق الفيفا على إنشاء فريق لاجئات أفغاني على أساس تجريبي لمدة عام واحد، لكن لم يُعترَف بالفريق الذي دربته بولين هاميل في بداية الأمر، قبل أن يأتي القرار التاريخي من الاتحاد الدولي، مع العلم أنّ الفريق خاض مباريات أمام تشاد وتونس وليبيا خلال نوفمبر 2025 بالمغرب.
سابقة قد تعيد تعريف اللعبة
لا يقتصر هذا القرار على الحالة الأفغانية فحسب، بل يفتح الباب أمام نموذج جديد في إدارة الأزمات داخل كرة القدم، حيث يمكن لفيفا التدخل لحماية اللاعبين واللاعبات من الإقصاء بسبب ظروف سياسية أو أمنية خارجة عن إرادتهم، وبينما تُطرح تساؤلات عن إمكانية تطبيق هذا النموذج في حالات مشابهة مستقبلاً، يبدو أن فيفا قد خطا خطوة جريئة نحو إعادة تعريف دوره، ليس فقط بكونه منظماً للمسابقات، بل جهة فاعلة في الدفاع عن حق ممارسة اللعبة على مستوى عالمي.
