تصاعد الضغوط الاقتصادية بعد شهرَين من حرب إيران
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
تُظهر البيانات كيف يمتد الأثر الاقتصادي إلى ما هو أبعد من المنطقة حيث تواجه الأسواق الناشئة والنامية ارتفاعاً في معدلات التضخم، وضغوطاً مالية متزايدة، واضطرابات في حركة التجارة، وذلك بعد مرور شهرين على اندلاع حرب إيران. الضربات المباشرة تشهد دول الشرق الأوسط والمناطق القريبة منها التأثير الاقتصادي الأكثر مباشرة. فقد سجلت قطر أول عجز تجاري في تاريخها بقيمة 1.2 مليار دولار في مارس/آذار، بعد أن أدى إغلاق مضيق هرمز إلى خفض الصادرات بأكثر من 90% وتقليص الواردات إلى النصف. ويتوقع اقتصاديون في "جي.بي.مورغان" أن ينكمش اقتصاد قطر بنسبة 9% هذا العام نتيجة الأضرار التي لحقت بمنشأة للغاز الطبيعي المُسال، وهو تراجع أعمق من توقعات صندوق النقد الدولي بانكماش قدره 6.1% لإيران. وخفض صندوق النقد الدولي توقعات النمو للاقتصادات الناشئة والنامية ككل إلى 3.9% مقارنة بـ4.2% سابقاً، فيما شهدت اجتماعاته مع البنك الدولي في واشنطن هذا الشهر تحذيرات حادة. وقال وزير مالية قطر، علي أحمد الكواري، خلال الفعالية: "التأثير الكامل قادم، وليس بعيداً". وتُعد الأسواق الآسيوية الناشئة الأكثر عرضة للتأثر، إذ إنّ أكثر من 50% من واردات النفط الخام وأكثر من ثلث واردات الغاز تمرّ تقليدياً عبر مضيق هرمز. في المقابل، استفاد منتجون بعيدون جغرافياً من ارتفاع أسعار النفط، حيث ارتفعت عملتا البرازيل وكازاخستان بأكثر من 9% منذ بداية العام، كما عادت أسهم الأسواق الناشئة إلى مستويات قياسية، مدعومة بأسواق التكنولوجيا الثقيلة مثل كوريا الجنوبية وتايوان. تغيير مسار الناقلات أدى ارتفاع تكاليف الطاقة، وما يرافقه من ضغوط تضخمية، إلى تقليص هامش البنوك المركزية لخفض أسعار الفائدة، بل دفعها في بعض الحالات إلى الاتجاه المعاكس. ورفعت الفيليبين أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، بينما بدأت تركيا وبولندا والمجر وجمهورية التشيك والهند وجنوب أفريقيا باتخاذ مواقف أكثر تشدداً، تحسباً لمخاطر "التأثيرات الثانوية"، إذ ترتفع الأجور وتكاليف أخرى تبعاً لذلك. ويشير "جي.بي.مورغان"، إلى أنّ الأسواق في معظم الاقتصادات الناشئة الكبرى الـ15 التي يتابعها تسعّر بالفعل سياسة نقدية أكثر تشدداً خلال الأشهر الستة المقبلة، كما حذرت زهابيا غوبتا من S&P Global في مذكرة من أن "الضغوط التضخمية المتزايدة وحالة العزوف عن المخاطر قد تشدّد الظروف التمويلية، مما يدفع عوائد السندات إلى الارتفاع". ضغوط الدعم الحكومي تنفق حكومات الأسواق الناشئة بالفعل مئات المليارات من الدولارات سنوياً لحماية الأسر من ارتفاع أسعار الطاقة، ومن المتوقع أن تدفع الزيادات الأخيرة هذه الأرقام إلى مستويات أعلى. ويقدّر صندوق النقد الدولي أن دعم الوقود الأحفوري عالمياً بلغ 725 مليار دولار في عام 2024، أي ما يعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقارنة بـ12% في عام 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. ورغم أن هذه الأرقام لا تفصل الأسواق الناشئة تحديداً، فإنّ الصندوق يشير إلى أن المنطقة وشمال أفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى تتحمل نحو ثلاثة أرباع هذا الدعم عالمياً. وقالت جوانا تشوا من "سيتي" في مذكرة للعملاء: "نرى مخاطر مالية متزايدة في الأسواق الناشئة نتيجة تحديد الأسعار، وخفض الضرائب، والدعم، إذا استمرت صدمة الطاقة لفترة أطول"، مشيرة إلى مصر وتركيا وإندونيسيا والهند والمجر وبولندا كأكثر الدول عرضة. الفئة الهشة تنتمي مصر وسريلانكا وباكستان إلى مجموعة من الدول منخفضة الدخل التي عانت من أزمات سابقة، ويخشى المحللون من أنها تتجه مجدداً نحو الأزمات. في مصر، لا تقتصر المشكلة على ارتفاع أسعار الوقود والغذاء، بل قد تنخفض أيضاً إيرادات السياحة، التي بلغت نحو 20 مليار دولار العام الماضي، إضافة إلى التحويلات المالية من العاملين في الخارج في دول الخليج. كما أن تراجع الجنيه المصري بنسبة 9% هذا العام يزيد من تكلفة سداد الديون، في ظل استحقاقات تقارب 30 مليار دولار. أما سريلانكا، التي أعلنت تخلفها عن السداد في 2022، فقد أعادت تقديم دعم الوقود وتفاوضت على تخفيف مؤقت لشروط تمويل صندوق النقد الدولي. وفي باكستان، بلغت احتياطيات النقد الأجنبي 16.4 مليار دولار بنهاية مارس/آذار، وهي تغطي أقل من ثلاثة أشهر من الواردات الأساسية، مع تحذيرات من أنها سلبية فعلياً عند احتساب التزامات البنك المركزي بالعملة الأجنبية. ضربة أخرى لأفريقيا تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن العديد من الدول الأفقر في أفريقيا جنوب الصحراء تواجه ضغوطاً شديدة، خاصة تلك التي تجمع بين الاعتماد على استيراد النفط وضعف المالية العامة، وكلما استمرت أسعار النفط مرتفعة، ازدادت الضغوط المالية. وقالت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، خلال فعالية في لندن: "نواجه صدمة عرض سلبية"، محذّرة من أن "أسوأ ما يمكن فعله هو تضخيم الطلب" عبر تقديم دعم شامل بدلاً من توجيهه للفئات الأكثر احتياجاً وتتوقع أن يضطر الصندوق إلى تقديم ما بين 20 و50 مليار دولار من الدعم الطارئ الإضافي نتيجة الأزمة. تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد التوترات في المنطقة، بعد اندلاع الحرب المرتبطة بإيران وما رافقها من اضطرابات حادة في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. هذا الإغلاق الجزئي أو التعطيل المتكرر لحركة الناقلات أعاد إلى الأذهان صدمات الطاقة السابقة، من الغزو الروسي لأوكرانيا إلى أزمات النفط في سبعينيّات القرن الماضي، لكنه يحدث هذه المرة في بيئة اقتصادية أكثر هشاشة، تتسم بارتفاع مستويات الدين في الدول النامية، وتشديد نقدي عالمي، وتباطؤ في النمو. كما تتزامن هذه الأزمة مع تحولات هيكلية في الاقتصاد العالمي، أبرزها إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، ما يزيد من حساسية الأسواق الناشئة لأي صدمة خارجية. وفي ظل اعتماد عدد كبير من هذه الدول على استيراد الطاقة والتمويل الخارجي، فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط أو تراجع في تدفقات رؤوس الأموال يترجم سريعاً إلى ضغوط على العملات، وارتفاع في كلفة الاقتراض، وتآكل في القدرة الشرائية. (رويترز، العربي الجديد)

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية