عربي
في سورية، كما في كلّ المجتمعات الخارجة من ثورات وحروب سبّبت انقساماً مجتمعياً، لا تبدأ السياسة بإعادة إنتاج السلطة، ولا حتّى باستعادة السيطرة على الجغرافيا وتوحيدها، بقدر ما تبدأ بترتيب العلاقة مع الماضي ومع الجروح الغائرة في الذاكرة الجمعية. فالماضي ليس أرشيفاً مغلقاً يسهل وضعه جانباً، وليس عبئاً يمكن تأجيله إلى حين، بقدر ما هو مادّة تأسيسية في بناء الشرعية العامة. والسلطة الجديدة في سورية ورثت طبقات من الدم والثارات والأسئلة المؤجّلة. طريقة التعامل مع هذه الطبقات ستحدّد شكل سورية المقبلة، أكثر ممّا ستحدّده العلاقات الدولية وتشكيلة القوى الحاكمة لسورية حالياً.
وما تثيره عودة القائد السابق لـ"جيش الإسلام"، عصام البويضاني، إلى سورية بعد الإفراج عنه في الإمارات، يفتح هذا الباب المؤجّل منذ سقوط نظام الأسد: باب الذاكرة التي لا تخصّ الضحايا وحدهم، وحتى حين يعود قائد فصيل مسلّح سابق إلى المجال العام محمولاً على شرعية سياسية مستجِدّة، تحاول فرضاً بناء جيش وطني من بقايا فصائل عسكرية سابقة غير منزّهة عن ارتكاب جرائم، يبقى معه تاريخ التنظيم الذي قاده، بكلّ ما يحمله من وقائع وأسئلة ومسؤوليات لم تخضع للفحص القضائي أو المجتمعي، فالمجتمع السوري لا يحمل ذاكرة واحدة، بقدر ما يحمل ذاكراتٍ متجاورة متصادمة مثقلة بالفواجع والخسارات. في دوما نفسها، حيث يظهر البويضاني ضمن صورة عامّة شخصيةً ذات نفوذ اجتماعي وعسكري، توجد ذاكرة أخرى للثورة السورية؛ ذاكرة وصورة رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي. هذه الأسماء التي تمثّل جزءاً أصيلاً وبنيوياً من السردية المدنية للثورة السورية، ذلك الجزء الذي حاول إنتاج معنى سياسي للحرية خارج منطق السلاح.
الدولة الجديدة أمام اختبار يتجاوز الحسابات الأمنية والمصلحية المباشرة. فبناء الثقة العامّة مع السوريين يحتاج تحويل الذاكرة من مادّة انتقائية إلى مادّة حقيقة جامعة وشاملة. والحقيقة هنا ليست قيمةً أخلاقيةً مجرّدة، بقدر ما هي شرط اجتماعي لإعادة تركيب المجتمع. والسوريون الذين لم يعرفوا مصير مغيّبيهم سيبقون معلّقين نفسياً وسياسياً داخل زمن النظام السابق، وإن تغيّرت وجوهه. المشكلة الأكبر تبدأ فيما يجري الآن من اختزالٍ للعدالة في ملفّات محدّدة متّفق عليها سلفاً ضمن حدود مرسومة سياسياً ومصلحياً. هذه العدالة التي تنتج تصنيفاً للضحايا والمجرمين بحسب موقع الجاني أو الضحية داخل تركيبات القوة والسلطة والانتماءات الأهلية بعد سقوط الأسد.
السوريون اليوم بحاجة إلى إنتاج حقيقة عامّة قابلة للاعتراف الجماعي لدى السوريين جميعاً. فحجم العنف الذي تعرّضوا له في زمن الأسدَين أوجد أرشيفاً ضخماً من الألم متعدّد المصادر. صحيح أنّ نظام الأسد أنتج الجزء الأكبر من هذا الألم، لكنّه لم يكن وحده. الفصائل المسلّحة في الماضي القريب والبعيد أنتجت جزءاً آخر، وأيّ مقاربة تحصر العدالة في جهة واحدة ستترك المجتمع السوري داخل ذاكرة مشوّهة، ذاكرة تعرف بعض الحقيقة، وتجهل بقيّتها. وفي هذا السياق، يأتي القبض على المجرم أمجد يوسف، وهو بالتأكيد ليس اسماً عابراً في سجلّ الجرائم السورية. واعتقاله يجب أن يكون بدايةً جدّيةً، بشرط أن يتحوّل إلى مبدأ شامل. يُضاف إلى هذه البداية أيضاً ضرورة تحقيق العدالة، وبلا أيّ لبس لضحايا المذابح التي ارتكبت في الساحل والسويداء العام الماضي.
في قلب الجرح السوري الذي استمرّ مفتوحاً بعد هروب الأسد، تبقى أسماء؛ رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي أكثر من مجرّد قضية اختفاء قسري، فهم جزء من المعنى الأول الذي خرج السوريون من أجله إلى الشوارع، حين كان الحلم واضحاً وإنسانياً، يبحث عن كرامة قابلة للحياة. لقد كانوا صورة المعنى الأصيل للثورة، قبل أن تلتهمها الآلة العسكرية، وقبل أن تتشظّى البلاد، لذلك لا يتعلّق مصيرهم بعائلاتهم وحدها، بقدر ما يتعلّق بحقّ السوريين جميعاً في معرفة ما جرى لواحدة من أنبل تجارب ثورتهم. نعم، لقد عاد البويضاني إلى مدينة دوما، وكانت صورة استقبال وكأنّها معدة سلفاً. ولكن أيّ صورة ستبقى ناقصةً طالما أنّها لا تحتوي على معناها الأول، لن تكتمل الصورة حتى نعرف مصير المغيّبين جميعاً، وفي مقدّمتهم رزان وسميرة وناظم ووائل، الذين تُتَّهم مجموعات من "جيش الإسلام" (كان البويضاني نفسه يقوده!) بتدبير اختفائهم.
