على حافة الانهيار: فلسطين المفتاح المفقود لاستقرار العالم
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تتزايد التساؤلات حول تداعيات الحرب الّتي شنّتها الولايات المتّحدة إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي ضدّ إيران في أواخر فبراير/شباط الماضي، وما قد تفتحه من فرص أمام الاحتلال لفرض مزيد من وقائع الضمّ وتصعيد الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية. وفي هذا السياق، لم يُنظر إلى خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزّة، الّتي طُرحت عقب اتّفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بوصفها مجرد مبادرة سياسية لوقف حرب إبادة استمرت لأكثر من عامين، بل جزءاً من تحوّل أعمق في ما يُعرف بـ"الشرق الأوسط الجديد". فبدلاً من أن تمهّد هذه الخطة مسارًا عادلاً يقوم على حقّ الفلسطينيين في تقرير المصير وفق القرارات الدولية، أعادت إنتاج نمط من التسويات الّتي تُصاغ خارج إطار إنهاء الاحتلال، بل وتمنح إسرائيل عمليًا حصانةً من المساءلة القانونية والسياسية والأخلاقية عن الجرائم المرتكبة بحقّ الشعب الفلسطيني. كشفت التطورات الميدانية الّتي أعقبت اتّفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، وما رافقه من إنشاء ما سُمّي بـ"مجلس السلام"، عن حدود هذا الاتّفاق بوضوح؛ إذ لم يتوقف القصف في قطاع غزّة بالتوازي مع تصاعد عنف جيش الاحتلال والمستوطنين في الضّفة الغربية. ولم يقتصر الأمر على هشاشة الاتّفاق من حيث قابليته للتنفيذ، بل امتدّ إلى خلل عميق في فرضياته، الّتي استبعدت مفاهيم العدالة وتقرير المصير والمساءلة القانونية من أي تصوّر سياسي أو ميداني يتعلّق بالقضية الفلسطينية. من هذا المنظور، لا يمكن قراءة هذه الخطة بوصفها مجرد إخفاق سياسي، بل هي جزء من مقاربة أوسع تسعى إلى إعادة تعريف القضية الفلسطينية وإعادة تشكيلها، وفق معادلات جديدة. مثّلت الحرب ضدّ إيران فرصةً استراتيجيةً لتعزيز موقع إسرائيل شريكًا أمنيًا وسياسيًا أساسيًا للولايات المتّحدة في المنطقة، لا طرفًا خاضعًا للضغط أو المساءلة. وقد جاء هذا التحول على حساب شعوب المنطقة ومصالحها وقد ازداد هذا التأطير السياسي ترسّخًا عبر مسار التطبيع الإقليمي، الّذي أعاد تشكيل العلاقات في المنطقة بطريقة تفصل بين إعادة ترتيب الإقليم وبين تسوية القضية الفلسطينية، ضمن رؤية تقدّم أولوية بناء منظومات أمنية واقتصادية تتمحور حول إسرائيل، من دون أن يقترن ذلك بأي التزامات أو استحقاقات سياسية. تنتمي هذه الرؤية إلى مسار ممتدّ من إعادة تأطير القضية الفلسطينية وعلاقتها بمسألة الاستقرار الإقليمي. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، جرى نقلها تدريجيًا من إطارها بوصفها قضية استعمار واحتلال إلى مقاربة أمنية– إقليمية، تعيد تعريفها ضمن معادلات الاستقرار والتهديد. وفي هذا السياق، سعى بنيامين نتنياهو في خطابه السياسي إلى تقويض مركزية الاحتلال بوصفه العامل التفسيري الرئيسي لعدم الامتثال للقانون الدولي، عبر إعادة توجيه الانتباه نحو مصادر تهديد خارجية. تقوم هذه المقاربة على فرضية أن القضية الفلسطينية ليست سبب العداء العربي والإسلامي تجاه إسرائيل، بل مجرد تعبير عنه، ما يفضي إلى تفريغها من بعدها السياسي المرتبط بالاحتلال. ووفقًا لهذا المنطق، يصبح التفاوض على تسوية إقليمية عديم الجدوى، لأنّ ديناميات الصراع – بحسب نتنياهو – تحكمها قوى إقليمية ودولية أوسع، بدأت بالاتّحاد السوفيتي ومصر، ثمّ أُعيد تعريفها لاحقًا لتشمل العراق في عهد صدام حسين؛ باعتباره "المشكلة الأولى"، وصولاً إلى إيران بوصفها التهديد المركزي في المرحلة الراهنة. تندرج هذه التصريحات ضمن مسار أوسع تسعى فيه القيادات الإسرائيلية إلى إعادة ترتيب سلّم التهديدات الإقليمية، بحيث لا تقتصر على إيران، بل تمتدّ لتشمل فاعلين آخرين في المنطقة، مثل تركيا. ويتجلّى ذلك في تصريح رئيس وزراء الاحتلال السابق، نفتالي بينيت عندما قال "قد تضطرّ إسرائيل إلى خوض حرب ضدّ تركيا بعد إيران إذا حاولت إنشاء أي نوع من تحالف إسلامي، إذ سيُعتبر تلقائيًا إرهابًا وتهديدًا لنا". بعد السابع من أكتوبر 2023، صعّد الاحتلال ممارساته عبر إبادة ممتدة، قبل إعادة إنتاجها بأدوات مختلفة عقب وقف إطلاق النار، من خلال تجريد الفلسطينيين في قطاع غزّة من مقومات الحياة، وتصعيد سياسات المصادرة في الضّفة الغربية، بالتوازي مع توسيع نطاقه العسكري إلى لبنان وسورية. ورغم تعطيل الحدث مسار التطبيع مؤقتًا، فإنّه لم يؤدّ إلى إعادة ربط الترتيبات الإقليمية بالقضية الفلسطينية بل على العكس، تسارعت هذه الترتيبات في مسار منفصل عنها، مدفوعةً بإعادة تعريف أولويات الإقليم حول اعتبارات أمنية أوسع، لا سيّما في سياق الحرب ضدّ إيران. بناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار الحرب ضدّ إيران انحرافًا عن المسار القائم، بل استمرار لآليات ترسيخ الهيمنة، الّتي تعتمد على توسيع رقعة الصراع وإعادة تموضعه جغرافيًا، بهدف الالتفاف على الاستحقاقات السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية من جهة، وفرض حقائق جديدة على الأرض عبر الضمّ والاستيطان من جهة أخرى. ومع اتّساع إطار الحرب اتّساعًا يشمل مستويات إقليمية أوسع، تتراجع مركزية القضية الفلسطينية عنصرًا حاسمًا في استقرار المنطقة. في سياق إعادة الهيمنة على القانون الدولي لا تقتصر أخطر تداعيات إفلات إسرائيل من العقاب في سياق الحرب ضدّ إيران على استمرار العدوان على الفلسطينيين، بل تمتدّ إلى إعادة تعريف موقع القضية الفلسطينية ذاتها. فبدل تقديمها قضية شعب خاضع للاحتلال يتمتع بحقوق غير قابلة للتصرّف، يُعاد إدراجها ضمن خطاب أمني إقليمي أوسع يحوّلها إلى ملف ثانوي في إطار ما يُسمّى "حرب الدفاع عن الوجود". وهنا تتجلى الخطورة السياسية؛ إذ إنّ صدور أوامر التدابير المؤقتة عن محكمة العدل الدولية في 26 يناير/كانون الثاني و28 مارس/آذار و24 مايو/أيّار 2024، ثمّ إصدار المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرات توقيف بحقّ بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، من دون أن يقترن ذلك بآليات تنفيذ رادعة، يبعث رسالةً عمليةً مفادها أنّ القانون الدولي قابل للتجاوز عندما تتقدم اعتبارات القوّة والتحالفات على منطق المساءلة. مع اتساع رقعة الحرب لتشمل إيران منذ أواخر شباط/فبراير 2026، تعزّز هذا المنطق بوضوح، إذ تحوّل مركز الثقل الدبلوماسي والإعلامي من مساءلة إسرائيل عن ممارساتها في قطاع غزّة والضّفة الغربية إلى التركيز على مشاريع توسيع الهيمنة الإقليمية وفق رؤى إسرائيلية وأميركية. وبذلك، لا يقتصر أثر الإفلات من العقاب على تغييب العدالة للفلسطينيين، بل يمتد إلى تقليص الوزن السياسي والقانوني للقضية الفلسطينية نفسها، حتّى يغدو الاحتلال مسألة هامشية ضمن سردية أوسع تُؤطَّر تحت عنوان "الأمن الإقليمي". كشفت التطورات الميدانية الّتي أعقبت اتّفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، وما رافقه من إنشاء ما سُمّي بـ"مجلس السلام"، عن حدود هذا الاتّفاق بوضوح؛ إذ لم يتوقف القصف في قطاع غزّة بالتوازي مع تصاعد عنف جيش الاحتلال والمستوطنين في الضّفة الغربية في السياق ذاته، يمثّل غياب المساءلة عن الجرائم المرتكبة منذ السابع من أكتوبر فرصةً إضافيةً لتعزيز نزعة الاحتلال نحو تقليص القيود القانونية على استخدام القوّة، بما يفتح المجال أمام مستويات أعلى من العنف والانتهاكات من دون كلفة قانونية مباشرة. ويتجلّى ذلك في أنماط متكررة من التصعيد في فلسطين ولبنان وسورية، وصولًا إلى عمليات القصف الّتي نُفِّذت في الدوحة في التاسع من سبتمبر/أيلول 2025، بذريعة استهداف مقر لقيادة حركة حماس، في سياق يعكس اتساع هامش الفعل العسكري خارج أي إطار رادع فعّال. وعلى المستوى الأميركي، لا يُوظَّف القانون بوصفه أداة لتقييد الحرب، بقدر ما يُعاد تأويله لتوسيع نطاق ما يُعدّ مشروعًا ضمنها. ويتجلّى ذلك في تقديم الحرب على قطاع غزّة نموذجًا قابلًا للاستنساخ أو الاستفادة منه في نزاعات لاحقة، بما في ذلك التصعيد تجاه إيران، إذ يُعاد تعريف حدود القوّة المشروعة بما يخدم أهداف الهيمنة. في المقابل، لا يمكن اختزال ضعف الموقف الأوروبي في تطبيق القانون الدولي باعتباره مجرد عجز، بل هو تعبير عن خيار سياسي يعكس إعادة ترتيب الأولويات. فمع تصاعد الخطاب الّذي يقدّم إيران تهديدًا إقليميًا، يتراجع التركيز على المساءلة القانونية لصالح إدارة التوازنات الأمنية، فيصبح القانون أداةً ثانويةً قابلة للتأجيل أو التجاوز، بدل أن يكون وسيلة ضغط فعّالة. هذا ما يفسّر التكرار المنهجي في الخطاب الغربي لعبارة "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، بوصفها صيغة جاهزة تُستخدم لنزع الطابع السياسي والقانوني عن الصراع. يتجلّى ذلك بوضوح في مواقف بعض القادة الأوروبيين، كما في تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الّتي أكّد فيها دعمًا غير مشروط لأمن إسرائيل، مهاجمًا متظاهرين مؤيدين لفلسطين، ومشدّدًا على "حقّ اليهود في العيش بأمان في مكانهم"، من دون أي إشارة موازية لحقوق الفلسطينيين أو لسياق الاحتلال القائم. هذا النوع من الخطاب لا يعمل على تبرير استخدام القوّة فقط، بل يعيد تأطير الصراع بطريقة تُفرغ القانون الدولي من مضمونه. مثّلت الحرب ضدّ إيران فرصةً استراتيجيةً لتعزيز موقع إسرائيل شريكًا أمنيًا وسياسيًا أساسيًا للولايات المتّحدة في المنطقة، لا طرفًا خاضعًا للضغط أو المساءلة. وقد جاء هذا التحول على حساب شعوب المنطقة ومصالحها، وانعكس مباشرةً على طبيعة ممارسات الاحتلال في فلسطين. إذ يشير تصاعد حجم الجرائم المرتكبة في الضّفة الغربية وقطاع غزّة إلى إسهام ضعف الملاحقة القانونية لجرائم قتل الفلسطينيين في خلق بيئة عملياتية يومية بلا رادع، حيث تُمارس القوة بعنف متزايد في ظل انخفاض كلفة الانتهاك. في القدس، تتسع القيود المفروضة على المسجد الأقصى ضمن المنطق ذاته القائم على إحكام السيطرة التدريجية. فلم تعد الإغلاقات المتكررة، وتقييد وصول المصلّين، والتكثيف اللافت للحضور الشرطي إجراءات ظرفية، بل أدوات دائمة لفرض واقع ميداني جديد على الموقع. وقد بلغ هذا المسار ذروته منذ أواخر فبراير 2026، مع إقدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلّين ومنع أداء الصلوات، بما في ذلك الجمعة والتراويح، في سابقة غير معهودة منذ عام 1967، ترافقت في بعض الفترات مع قيود طاولت كنيسة القيامة أيضًا. وكانت هذه الخطوات تثير ضغطًا سياسيًا أوسع، لكن في ظلّ التصعيد مع إيران، يجري التعامل معها مسألةً أمنيةً داخليةً لإسرائيل، لا قضية ذات بعد دولي. في الختام، لا يمكن النظر إلى تجاوز إسرائيل القانون الدولي وحقوق شعوب المنطقة بوصفه حالةً استثنائيةً ناتجةً عن غياب الردع، بل نهجًا بنيويًا يتغذّى من نظام دولي، يتيح تعطيل القواعد أو الالتفاف عليها من دون كلفة حقيقية. وفي السياق ذاته، لا تمثّل الحرب على إيران تحولاً نوعيًا في العلاقة بين القانون الإنساني والعامل السياسي، بقدر ما توفّر بيئة مواتية لإعادة إنتاج هذا النمط وتوسيعه، من خلال إعادة ترتيب الأولويات السياسية وتراجع زخم المساءلة. لا نبالغ إن قلنا إن المحاولات المستمرة لتجاوز القضية الفلسطينية تؤدي إلى تحولات في النظام العالمي، وإضعاف مؤسساته، وربما تفكيكها. مع هذا التحول، لا يفضي التصعيد الإقليمي إلى كبح الانتهاكات، بل يساهم في توسيعها ضمن سياق الاحتلال، سواء عبر تسريع وتيرة الاستيطان، أو تصعيد العنف الممنهج ضدّ الفلسطينيين. كما تتحوّل مآلات هذه الحرب، إذا ما جرى تسويقها انتصارًا للاحتلال، إلى رافعة إضافية تبرر توسيع استخدام القوّة، وتعزيز الهيمنة الإسرائيلية والأميركية في المنطقة، في ظل غياب ضغط فعلي قادر على كبحها أو محاسبتها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية