عربي
في كتابه "أسطورة الإطار" (سلسلة عالم المعرفة، العدد 292)، قال كارل بوبر إن التفاهم بين الآراء المختلفة يمكن، على نقيض ما تقول به النسبوية إن من المستحيل حدوث ذلك، لأن كل رأي يدعي أنه يقبض على الحقيقة، وأنه وحده هو الذي يمتلكها، وعلى الرأي الآخر أن يأتي إليه، وأن يخضع له، لأنه يخضع للحقيقة. ولكن بوبر اشترط أن تتوافر إرادة الخير المشتركة، وأن يُبذل في سبيل التفاهم جهد وافر لتحقيقه. ولأن الفيلسوف يؤمن بأن الإرادة الخيرة متوفرة، يتحمس للفكرة ويكتب مقالته المعروفة بهذا الاسم.
ولكن الماء يكذب الغطاس. فالتفاهم بين البشر هو في أدنى حالاته، ليس اليوم، كما قد يخيل إلينا، ونحن نرى كيف يؤدي اختلاف الرأي إلى المذابح المادية والمعنوية، بل كان كذلك من قبل الميلاد، وها هو كارل بوبر نفسه، يضع اقتباساً من أفلاطون في بداية مقالته "أسطورة الإطار" يقول فيه: "لا توجد أرضية مشتركة بين هؤلاء الذين يعتقدون في هذا، وأولئك الذين لا يعتقدون فيه". ثم يتابع "بل إنهم من منظور آرائهم لا بد بالضرورة، من أن يزدري كل فريق منهما الآخر". يبدو من كلمات الفيلسوف اليوناني، أن البشرية كانت لا تزال في المهد، فاكتفى المختلفون في الرأي بأن ازدرى أحدهم الآخر.
كيف يمكن الخروج من الهاوية التي يمضي السوريون إليها مسرعين؟
ولعل العرب قد قاربوا الموضوع أكثر، لأنهم جربوا، وعرفوا هذا المعنى، فصاغوا عبارة: "تضارب الآراء". والعبارة شديدة المباشرة في التعبير عن واقع الفكرة، لا عن صحتها بالطبع. فالتضارب ينفذه الطرفان، وبهذا لا فضل لمختلف عن الآخر، فكلاهما مستعد لاستخدام الضرب وسيلة في تأكيد صحة رأيه. لكن التاريخ يقول إن القوي من بينهم، يتهم الضعيف، بالخيانة والتفريط في الحقوق والانتهازية وغيرها. بل إنه يأخذه بالسيف، وهو ما حدث في التاريخ العربي وغير العربي أيضاً. لا ضرورة لذكر الأمثلة، فتاريخ البشرية لم يكن في أي يوم، مع الأسف، تاريخ التفاهم، أو الحوار.
وما العمل؟ وأين يمكن أن يتحقق هذا التفاهم؟ ولدى العرب أيضاً عبارة "رأب الصدع"، هي أحد الأجوبة المحتملة كما يبدو على تضارب الأفكار، ولكن علينا في النهاية أن نسأل: من يتحمل مسؤولية منع الحوار، أو التفاهم: القادة أم الجمهور؟ لا يخفي القادة دفعهم في اتجاه التصلب في ما يتعلق برأيهم، غير أن ما يظهره الناس في القاع الاجتماعي، خاصة في منطقتنا العربية، في السنوات الأخيرة، من التمادي في التحريض، وفي إنتاج خطابات الكراهية وإعادة إنتاجها، يضع المسألة في إطار آخر. ولا شك أن القادة والزعماء يتحملون مسؤولية توليد خطاب الكراهية، أو رفض التفاهم، غير أن الجمهور العربي يظهر اليوم افتتاناً مرعباً في إنتاج خطاب كراهية لا يخطر على بال الشياطين. من أين يغرف الجمهور السوري في جميع المدن والبلدات وجميع الطوائف والديانات هذا القدر من الكراهية تجاه الآخر السوري؟ من علمهم هذا؟ وكيف يمكننا الخروج من هذه الهاوية التي يمضي السوريون إليها بأرجلهم مسرعين؟
* روائي سوري

أخبار ذات صلة.
ليبيا تحظر تصدير الأسماك والمزروعات
العربي الجديد
منذ 11 دقيقة
"البتروكوين": سيناريو رسوم هرمز "المشفرة"
العربي الجديد
منذ 41 دقيقة