عربي
دخلت حرب الخليج الثالثة شهرها الثاني. الطرفان يتبادلان قصف الشروط تحت القصف. ألحق ترامب ونتنياهو أضراراً فادحةً بالبنى الإيرانية، لكنّ نظام الملالي لم يركع بعد. العملية الجراحية الخاطفة بترت الرأس، غير أنّ الجسد المترهّل لا يزال ينبض عسكرياً وسياسياً، كأنّما يصرّ النظام على ممارسة "الهاراكاري" الانتحاري على الطريقة اليابانية. تتعرّض دول الخليج لعدوان شرس من الحرس الثوري، بينما تظهر تلك الدول مهارات المشي بثباتٍ على حدّ السكّين، فهي قادرة على الصمود والنأي عن الانزلاق إلى المستنقع. حزب الله لا يكتفي بتأكيد العناد الوجودي، بل يستأنف إرسال كرات النار إلى الإسرائيليين. اللبنانيون يواصلون تسديد فواتير التدمير والتهجير المفتوحة. الحوثيون يخرجون من كهوفهم بغية إشعال باب المندب، فيما يحبس العالم أنفاسه داخل مضيق هرمز. أسعار الطاقة تحرق بطون الاقتصاد. تغيير الشرق الأوسط حلم أميركي إسرائيلي قديم. لم يدرك ترامب ونتنياهو أنّه ليس بالعنف تتحقّق الأحلام. لم يكن التفاوض خياراً في الحسابات الثنائية، غير أنّه صار محطّةً اضطرارية. كلاهما يرقص على حدّ السكّين متأرجحاً بين ما عجزت عنه البندقية وما لن تنجزه الدبلوماسية.
***
دخلت الحرب الخاطئة معارك إملاء الشروط وانتزاع التنازلات. يمارس الطرفان قسراً المشي على حدّ السكّين. جولات التفاوض تشهد قتالاً شرساً بأسلحة الإذلال والأذى والمناورة المتاحة. الحوارات داخل الغرف المغلقة تجري، بينما يمارس المتقاتلون إطلاق الصواريخ والمسيّرات. يستهدف الجانب الإسرائيلي – الأميركي استنفاد مخزون الإيرانيين من الصبر والصواريخ. يختبر الحرس الثوري قدراته على الصمود واستنفار أجنحته بغية زيادة فوّهات الضغط على الآخرين. إنّها جولات عضّ الأصابع انتظاراً لمن يصرخ أولاً. تتدنّى شعبية ترامب في لهيب المعارك كلّما تصاعدت موجات التظاهر داخل المدن الأميركية. تعايش إسرائيل كوابيسَ لم تراود أجيالها وسط أدخنة الرعب. لا تحتمل أسعار النفط والغاز انتظار المجهول. تكابد واشنطن جفوةً وسط حلفائها. يشكو ترامب الإحباط تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو). رياح استياء تضرب عواصم، وربّما شعوباً، في المنطقة إزاء ما يسمّى بالنظام العربي.
***
هذه ليست الحرب الكبرى الأولى في الشرق الأوسط. استهدف العدوان الثلاثي مصر. غيّرت أميركا بوصلتها فقادت حربَين في الخليج؛ الأولى في عهد جورج بوش الأب، والثانية إبّان ولاية بوش الابن. رغم بروز العراق محوراً ساخناً في الحربَين، إلا أنّ للعرب باعاً طولى فيهما. حرب بوش (الأب) اتخذت، ربّما، صبغةً دفاعيةً إذ استهدفت احتواء سياسات الهيمنة الاستبدادية القُطرية. حرب بوش (الابن) انتقلت إلى الطابع الهجومي، فغايتها فرض الهيمنة الأميركية تحت مظلّة مكافحة الإرهاب. الحرب الراهنة مصبوغة بالمغامرات الشخصية، إذ يهرب عبرها نتنياهو من معاركه الداخلية. ترامب وقع ضحية طموحاته الذاتية محاولاً ترسيخ صورة الرئيس الأعظم القادر على صنع تاريخ عظيم للدولة العظمى ذات الجيش الأقوى. لذلك ارتبكت أهداف الحرب المعلَنة وإدارة مراحلها وفقاً لإحداثياتها، ليس في سياق استراتيجية مرسومة مسبقاً. هكذا تداعت الغايات من تصفية النظام إلى تغيير سلوكه، مروراً بتجفيف مصانع الصواريخ الباليستية ومستودعاتها، ثم تدمير البنى النووية كلّها، فإعادة فتح ممرّ هرمز. تسربت نبرة الحديث عن تأمين السلم الإقليمي عند كوّة احتمالات التفاوض.
***
هكذا وجد ترامب وشريكه الصهيوني نفسيهما يمارسان الرقص على حدّ السكّين، فمع التوغّل في الحرب والزمن لم يَلُحْ للحسم بارق. يمثّل الانتقال إلى الجبهات الدبلوماسية ضرباً من الرقصة الخطرة، فبناء التفاوض عبر الوسطاء يغري بإملاء الشروط وانتزاع المكاسب مع هدر الزمن أو استثماره. فيلوّح ترامب بشبح الحرب البرية؛ تلك مغامرة ربّما تستدعي أميركياً توابيت مستنقع فيتنام. لا أحد يعلن عدد ضحاياه بقدر ما يركّز على خسائر الآخر.
يتطلّب السلم الإقليمي استراتيجيةً تتجاوز العسكري إلى المحاور الاقتصادية والسياسية والثقافية
لن يفض اختلال موازين القوى في ظل الواقع المهترئ إلى إنتاج حلول سلمية دائمة. فالحوار في مثل هذه الظروف يمنح إسكاتَ فوّهات النار الأولوية. يتطلّب السلم الإقليمي صوغَ استراتيجية تتجاوز الشأن العسكري إلى المحاور الاقتصادية والسياسية والثقافية. هذه الرؤية ليست واردة على طاولة التفاوض، إذ تدار اللعبة بروح انتصار القوي وهزيمة الضعيف في الجبهات الساخنة.
***
من هنا تبرز العقبات أمام الحلول الدبلوماسية. فلن يقبل النظام الإيراني المتكابر تسوية من منطلق تصنيفه في موقع الهزيمة، رغم ما أصاب الدولة من دمار ماحق. إغلاق مضيق هرمز محاولةٌ حمقاءُ لإثبات حقيقة جوهرية غيّبتها التقديرات الخاطئة؛ دور الاقتصاد سلاحاً في الحرب كما في السلم. في الوقت نفسه، فإنّ ترامب لا يريد فقط انتصاراً على إيران، بل يود تأكيد تفوّقه في "أمركة" العالم قاطبة، كيداً في حلفائه وخصومه. نفر الشرق والغرب خوفاً من اتساع زمن الحرب ورقعتها ترجّح اللجوء إلى عسكرة التفاوض أكثر من تسييسه. نتائج هذا التوجّه تُحدث غالباً عملية تخدير تُسكّن الأعراض، لكنّها لن تكون حتماً جراحةً ناجعةً تستأصل المرض.
***
على مدى إدراك الوسطاء هذه المخاوف كلّها، والعُقد والعقبات، تحقق جهودهم قدراً من الغايات لجهة بناء جسور العودة إلى السلام. هذا هدف لن يتبلور ما لم يكن لدول المنطقة فيه سهم. بنى الراحل هنري كيسنجر نجاحه الدبلوماسي على الاعتراف بكلّ الأطراف الحاضرة في المشهد الشاخص. لعلّه أكثر الساسة المعاصرين انشغالاً بشؤون الاقتتال والتفاوض، وربّما أغزرهم علماً في هذا الصدد. في رصيده 21 كتاباً في شأن الأمن القومي. تنداح نجاحاته من السويس إلى الصين مروراً بفيتنام. الوسطاء يمارسون الرقص على حدّ السكّين. هم لا ينتمون إلى فضاء الحياد التجريدي. فإذا لم تمسّهم ألسنة الحرب، تطاولهم حتماً حمّى صراع المصالح. ليت كلّ الأطراف تستوعب حكمة كيسنجر: "لتكن الحرب الاحتمال الأخير، وليكن الهدف منها العودة السريعة إلى السلام". كلّما ظلّت الجبهات مشتعلة، تراكمت خسائر البنى العسكرية والمدنية. ذلك عبء لا يزيد فقط كلفة إعادة البناء، بل يطيل كذلك أمد الاستشفاء الإيراني والتعافي على الصعيد الإقليمي.

أخبار ذات صلة.
الاتفاق غير المنظور بين طهران وواشنطن
العربي الجديد
منذ 29 دقيقة
مستقبل أمن الخليج العربي
العربي الجديد
منذ 30 دقيقة
الرقص على أنغام الإبادة
العربي الجديد
منذ 30 دقيقة