عربي
قال مارتن لوثر كينغ: "يجب ألا ننسى أبداً أنّ كلّ ما فعله هتلر في ألمانيا كان قانونياً"... تبدو عبارةً مناسبةً للتعليق على القانون الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي (في ذكرى يوم الأرض الفلسطيني) ويقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين. وصف النائب الإسرائيلي عوفر كاسيف القانون بأنّه "تشريع للإبادة الجماعية". ويهدّد القانون المُجاز حياة الأسرى بصورة مباشرة، فهو يسهّل إصدار الأحكام في المحاكم العسكرية بأغلبية بسيطة، ويمنع تخفيف العقوبات، وهو مصمّم بشكل يستهدف الفلسطينيين خاصّة، إذ يعاقب على الأفعال المضرّة بالدولة "بصفتها اليهودية". بمعنى آخر، إنّها عقوبات مصمّمة ضدّ "مقاومة الاحتلال".
لعلّ المفارقة أنّ إسرائيل نفسها لم تطبّق عقوبة الإعدام منذ 1948 إلا مرَّتَين، إحداهما بحقّ النازي أدولف أيخمان المسؤول عن الترحيل القسري لملايين اليهود إلى معسكرات الإبادة. شارك النازي المتقاعد في إدارة أحد المكاتب التي حصرت ممتلكات اليهود الأوروبيين التي صادرها النازيون. بعد انتصار الحلفاء، فرّ أيخمان إلى الأرجنتين، ليختطفه "الموساد" وينقله إلى القدس ليُحاكم عام 1962 ويُعدم. كلّ تهمة من التهم الخمس عشرة التي أُدين بها أيخمان كانت فعلاً قانونياً وقتها، شرّعه أقوام مثل إيتمار بن غفير، رقصوا عندما أصدروا قوانين نورمبرغ في 1935 التي جعلت الزواج من اليهود جريمةً في القانون الألماني. لكنّهم يرقصون في الكنيست لأنّهم سيُعدمون فلسطينيين أكثر. لا يتذكّرون.
استغلت إسرائيل الحرب الإيرانية لتوجيه الرأي العام نحو طهران والخليج، فاستطاع نتنياهو الخروج من مأزق غضب الرأي العام العالمي من الإبادة في غزّة بعد "7 أكتوبر" (2023). لم يكن ذلك الغضب مؤثّراً، لكنّه كان محرجاً لحكومات العالم وحلفاء تل أبيب. الآن ينشغل العالم بما يحدث في طهران، وتتضامن المنطقة العربية مع دول الخليج، فيجد الفلسطينيون أنفسهم فريسةَ تشريع داخلي بلا رقابة دولية فعّالة، مهدَّدين بقانون لا يهدف إلى العدالة، بل إلى الانتقام السياسي والإبادة.
لافتٌ للنظر أنّ النظام العالمي القائم بعد الحرب العالمية الثانية (مع تعديلاته اللاحقة) بُني على تجربة إبادة جماعية أودت بملايين الأرواح، فجاء لفرض قواعد للعقاب والمساءلة للحدّ من جرائم الحرب. لم تكن الحرب العالمية هي الحرب التي تنهي الحروب كلّها كما ظنّ بعضهم، لكنّها على الأقلّ أنتجت نظاماً عالمياً، على اختلاله، يُحفظ شيئاً من التوازن في العالم. قال محمّد حسنين هيكل إنّ عبد الناصر استشار نهرو في الخروج من الأمم المتحدة لمواقفها غير العادلة، لكنّ الحكيم الهندي قال إنّ الدول الكبرى لا تحتاج القانون الدولي ليحميها، إنّها قادرة على حماية نفسها، لكن الأمم المتحدة مهمّة لبقية العالم، ودورنا أن نجعلها تدافع عنّا لا أن تدافع عن الدول الكبرى... حتى هذا لم يعد ممكناً. يسقط هذا النظام العالمي اليوم عبر إبادة جديدة يرتكبها عدد من مدّعي النجاة من الإبادة السابقة، بينما تعجز المؤسّسات الدولية عن حماية الفلسطينيين، وتتراكم بيانات الرفض والتنديد والتحذير من أثر هذه الخطوة في "عملية السلام".
في العودة الثانية للرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، انتعش نفوذ اليمين المتطرّف مرّة أخرى، إذ يعيش أسعد أيامه وهو يحاول ترتيب العالم وفق رؤى "أشراط القيامة". وهو توجّه لا يهدّد فلسطين وحدها، لكنّه غالباً ما يهدّد مصير البشرية كلّها. فأن يصبح مصير العالم في يد حفنة من المتعصّبين الذين يؤمنون بنبوءات توراتية، لا مانع عندهم من تحقيقها عبر الإبادة أو الحرب، فهذا مخيف. لقد عرفنا زماناً ارتجف فيه العالم من رعب فكرة تسرّب الترسانة النووية السوفييتية إلى الحركات والجماعات المتطرّفة والجهادية. فكيف الحال إذا كانت مجموعة تتحكّم اليوم في الترسانة النووية الأكبر، تؤمن بأنّ دعم نتنياهو في إبادة الفلسطينيين وأعداء إسرائيل أمر ربّاني لتهيئة الأرض للمعركة الأخيرة بين الخير والشر! أين ينتهي المنطق والبراغماتية والمصالح المشتركة والسياسة عند هؤلاء لتبدأ القناعات الإيمانية الصمدية وأشراط دولة المسيح ومعركة هرمجدون؟ لا نعرف بعد.
الذين رقصوا في الكنيست، والذين صلّوا في مكتب الرئيس الأميركي، لديهم القوة لفعل ما يريدون، لكنّهم يحرصون على أن تكون أفعالهم قانونية ومباركة من السماء. لكنّنا لو تعلّمنا شيئاً من وجود دولة إسرائيل في المنطقة، فهو الدرس الأكثر أهمية: امتلاك القوة لوهلة من الزمان، وسنّ القوانين المشرعِنة للجرائم وانهيار نظام عالمي، لا يعنيان الانتصار. وجود نتنياهو في تل أبيب دليل حيٌّ على ذلك.

أخبار ذات صلة.
إقالات في البنتاغون بزمن الحرب على إيران
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة