ناؤوت حوفاف: مفخرة إسرائيلية على أجساد فلسطينيي النقب
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
أيام معدودة مرت منذ اجتمع منتدى مديري المصانع مع إدارة مجلس "ناؤوت حوفاف"، رافعين كؤوس النبيذ للاحتفال في تقليد سنوي باقتراب عيد الفصح العبري. غير أن الأكثر أهمية من المناسبة الدينية التي ستحل مطلع إبريل/ نيسان المقبل، كان الاحتفال ببدء 50 عاماً من الصناعة. وفي اللقاء الاحتفالي الذي شاركت وقائعه صفحة "ناؤوت حوفاف - البارك الصناعي الإيكولوجي في النقب" على موقع "فيسبوك"، استعرض رئيس المجلس، تومر بيتون، المشاريع المستقبلية وعلى رأسها الخطة الاستراتيجية المعدة لتعزيز مكانة "ناؤوت حوفاف" كمنتزه صناعي دولي رائد في مجاله. أربعة أيام فقط مرت على الاحتفال المذكور، قبل أن تتصدر "ناؤوت حوفاف" العناوين اليوم الأحد؛ وهذه المرة ليس في مجال ريادي، وإنما بسبب صاروخ سقط على مصنع فيها. والمنطقة المذكورة هي منطقة صناعية إسرائيلية كبيرة أقيمت عام 1989 بعد التأسيس الفعلي في سبعينيات القرن الماضي، بهدف الإشراف على النشاط الصناعي وضمان "تطوير المنطقة" وتقديم الخدمات اللازمة لتشغيل المصانع. وتعد المنطقة مجلساً صناعياً ذا سلطة محلية، وهو الأكبر بين مجلسين محليين صناعيين في إسرائيل ("مجدال تيفين" في الشمال، و"ناؤوت حوفاف" في الجنوب)، وفقاً لما يقدمه موقع الشركة الإلكتروني من معلومات. مفخرة صناعية على مأساة الفلسطينيين غير بعيد عن المجمع الصناعي الضخم، وبالتأكيد قبل إقامته، تقبع "وادي النعم"، وهي أكبر القرى البدوية في النقب التي ظلت لعقود طويلة غير معترف بها، إلى أن نالت اعترافاً شكلياً عام 2019 من السلطات الإسرائيلية. ولم يقدم هذا الاعتراف أي شيء لسكان القرية، بل إنه أمعن أكثر في مأساتهم؛ فقد ظل 15 ألف بدوي فلسطيني يسكنون بيوتاً من الصفيح. هم أنفسهم أبناء وأحفاد أولئك الذين هجرهم الاحتلال إبان الحكم العسكري في خمسينيات القرن الماضي من منطقتي "الخزعلي" و"المرتبة"، اللتين أعلنتا مناطق عسكرية مغلقة استخدمتها الصناعات العسكرية الإسرائيلية ميدان تجارب منذ الستينيات. عقود مرت منذ تهجيرهم واستقرارهم في "الوادي" الذي ظل إلى اليوم قرية محرومة من أبسط البنى التحتية، وعلى رأسها الكهرباء. وبينما تشع الأضواء من محطة توليد "أوروت يوسف" الضخمة المقامة على أراضيهم، والتي توفر الطاقة للمستوطنات والمدن المحيطة، أظلمت بيوت الفلسطينيين في "النعم"، ولم يطاولهم من هذه المحطة إلا الأمراض التي تفاقمت بسبب الهواء الملوث. هكذا، وفي ظروف تشابه العصور القديمة، اضطر سكان الأرض الأصليون للاعتماد على أنفسهم من أجل الصمود، فاستعانوا بحلول الطاقة الشمسية وألواح صغيرة بالكاد تشغل الأجهزة الأساسية، كما لجأوا إلى مولدات الديزل المكلفة التي تشكل هي الأخرى خطراً بيئياً وصحياً. إذ إن الاعتماد على الطاقة الشمسية لتشغيل أجهزة طبية أساسية -مثل أجهزة التنفس أو تبريد الأدوية- كان ضرباً من المستحيل في أيام الشتاء، أما في الصيف حين يشتد أوار القيظ وتتحول منازلهم إلى صفيح ساخن، فيمكن للمرء أن يموت فعلاً من شدة الحر دون مكيفات. وعلى مدى سنوات، لم تترك سلطات الاحتلال مشروعاً طاقوياً إلا وبادرت إليه؛ ففي عام 2014 أقيم على أراضٍ مجاورة لقريتهم حقل "رامات حوفاف" للطاقة الشمسية، ثم في عام 2016 أقيمت محطة "أشاليم" التي غطت احتياجات آلاف المنازل اليهودية. أما "وادي النعم" فظلت مسحوقة، وظل سكانها محرومين من الطاقة المنتجة بالمجان عبر مشاريع "الغسيل الأخضر" التي هدفت إسرائيل من خلالها إلى تسويق نفسها للعالم كدولة تسعى للاعتماد على الطاقة المتجددة. والحديث عن الإقصاء والتمييز يغدو فارغاً إن لم يُقرن بما سببته منشآت معالجة النفايات السامة في المجمع الصناعي، الذي أُنشئ ليكون بعيداً عن السكان اليهود، أما سكان القرية التي تبعد كيلومتراً واحداً فقط، فقد تم تجاهل وجودهم تماماً. المنطقة التي تحولت لاحقاً إلى مفخرة للصناعة الإسرائيلية، عُدّت من أخطر مصادر التلوث البيئي في النقب، ما اضطر بعض أهالي القرية إلى النزوح بأطفالهم نحو مستقبل قد لا تنتهي حياتهم فيه بسرطان سببه التلوث. تقارير وأبحاث إسرائيلية نوقشت في أروقة "الكنيست" أشارت إلى أن معدلات الإصابة بالسرطان في القرى البدوية القريبة من المنطقة كانت من بين الأعلى. أما نسبة التشوهات الخلقية الشديدة بين البدو الذين يعيشون على مقربة من المجمع، فكانت ضعف ما هي عليه لدى البدو في أماكن أخرى تقريباً. ولم يكتفِ الاحتلال بذلك، بل أضافت سلطاته مخططاً يستهدف القرية ويخطط لتهجير شقيقتها "خشم زنة"؛ ففي عام 2019 اقترحت "سلطة تطوير النقب" تهجير سكان الأخيرة إلى منطقة تقع ضمن نفوذ مخطط "رمات بيكع" القريبة من المجمع، والمخصصة للصناعات الأمنية الإسرائيلية المتخصصة في الصناعات الثقيلة والآليات المتقدمة. هنا سقط الصاروخ الإيراني يضم المجمع الصناعي جنوب مدينة بئر السبع والذي طاوله صاروخ إيراني دمّر مصنع "أدما" ما بين 32 شركة ومصنعاً كبيراً، في مقدمتها "إلبيت معراخوت" (إلبيت سيستيمز)، التي تعمل في مجال التقنيات المتقدمة والإلكترونيات الموجهة للسوق الدفاعي العالمي. وتصنّع الشركة أنظمة تخدم جيش الاحتلال، تشمل طائرات من دون طيار وأنظمة قيادة وتحكم وتقنيات فضائية. إلى جانبها، يضم المجمع شركات تعمل في مجال الكيماويات والصناعات الدوائية، أهمها شركة "مركبات البروم المحدودة" التابعة لمجموعة "آي سي إل"، المتخصصة في الأسمدة والكيماويات، وتصدر منتجاتها إلى أكثر من مئة دولة. ويعد مصنعها في "ناؤوت حوفاف" الأكبر عالمياً في إنتاج البروم. وتعمل في المجمع أيضاً شركة "أدما" المتخصصة في المبيدات الزراعية وحماية المحاصيل، وشركة "تيفاع تيك" لإنتاج الأدوية، وشركة "ويفيلينث للأدوية" المتخصصة في تصنيع المواد الفعالة. كما يضم المجمع شركات متخصصة في البيئة وإعادة التدوير، مثل "شركة الخدمات البيئية المحدودة" الحكومية لمعالجة النفايات الخطرة، وشركة "إيكوسول إسرائيل" لتشغيل المحارق. وفي مجال الطاقة، يضم المجمع شركة "أوروت يوسف" التي تدير محطة كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي، وشركة "إنيرجيكس" للطاقة المتجددة التي تدير محطة طاقة شمسية بقدرة 37.5 ميغاواط. كما يمر عبر المنطقة جزء من الشبكة الوطنية لنقل الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى مصانع "ماكسما" لفصل الغاز و"كولبو غاز" لتوريد الغاز الطبيعي. فضلاً عما سبق تضم المنطقة جزءاً من الشبكة الوطنية الإسرائيلية لنقل الغاز الطبيعي الذي يمر عبر خطوط عالية الضغط من مرافق المعالجة إلى المناطق الصناعية بما في ذلك خطوط التوصيل في "ناؤوت حوفاف". فضلاً عن مصانع تابعة لشركة "ماكسما لفصل الغاز"، والتي تنتج غازات صناعية كالأكسجين والنيتروجين المستخدمة في المصانع المختلفة بما في ذلك الكيمياء والأدوية والصناعات الثقيلة. وفي مجال الغاز أيضاً يضم المجمع شبكات لـ"كولبو غاز" العاملة في توريد الغاز الطبيعي للاستخدامات المنزلية والصناعية. وبحسب موقع المجمع الصناعي تعمل أيضاً شركات مختلفة على تقديم خدمات في مجالات اللوجستيات والنقل، والصناعات الثقيلة والبنية التحتية إلى جانب مواد البناء والخرسانة التي تسهّل دورة العمل في المجمع وتصمن استمراريتها؛ إذ تقدم بعض الشركات خدمات لتسهيل حركة المواد الخام والمنتجات النهائية للمصانع وربط المنطقة بالصادرات والواردات العالمية مثل شركة "فريدسون لوجستيك سيرفيسيز".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية