حرب على لبنان
عربي
منذ ساعة
مشاركة
حربٌ على لبنان، العنوان صحيح لكنّه يبقى مُلتبِساً. حرب على لبنان لكنّها ليست على دولته، ولا على مجتمعه كلّه ولا على أرضه بكاملها. إنها حرب على الشيعة حيث يقيمون، لكن الشيعة، بما يقرب إلى الآن من مليون، نزحوا من قراهم وبلداتهم، والطائرات والمسيرات خلفهم، تُطاردهم في الشقق والمباني التي لجأوا إليها، وهي على امتداد البلد تقريباً. هكذا تدخل هذه المناطق في الحرب التي لا تعني أهلها، وتجعلهم هكذا في مواجهة ليست من غاياتهم ولا مراميهم. هكذا تبدو الحرب على بلد لم يُعلنها، ودولة لا تخوضها، ومجتمع غير ماثل لها. الحرب لذلك تغدو بهذا الشكل فرضاً على الأكثرين. إذا كانت إسرائيل هي التي تشنُّها فإنها حربها الخاصة، وعلى خصوم خاصِّين. وشمولها للبلد بدولته ومجتمعه كلّه، يبدو من جهتها، ومن جِهة الشيعة، توريطاً للبلد كلّه بدولته ومجتمعه. ليس هذا جديداً، الأمر ذاته منذ 1968 واستتبع احتلالات وحروباً عدّة. بل كان في قاعدة حرب أهلية، انفجرت بموازاته وعلى أساساته ومبانيه. لا ننسى أن إسرائيل، مثلها مثل المقاومة الفلسطينية وسورية والآن إيران، كان لها من تدعمه فيها ولا يزال هذا في مقدورها، بل هو الآن متيسّر لها لو أرادت ولا بدّ أنها ستريد، بل هي على وشكه، ولا يصعب علينا أن نتخيل ماذا سيجرّ ذلك على لبنان وإلى أي طور سيعيده. أقول ذلك ولا أشكّ في أنّ وضعاً كهذا هو على الأبواب، فكلّ ما يجري الآن يستحضره بل ويكاد يمليه. المفارقة أن لبنان بلد متعدّد وانفراد طرف بالقرار فيه يعني انفراد طرف باستجرار حرب وتوريط الجميع فيها، لن يبقى دون ردود لا تقتصر على اعتراض لفظي ومناكفة كلامية. لا نعرف إلى أين تصل هذه، لكن استنجاد بقية الأطراف بأي قوة أيّاً كانت، وأيّاً كان مصدرها، ليس مستبعداً. هناك سابقة لذلك يمكن أن تتكرر.  كان من نتائج الحرب الأهلية، التي هي الآن في حال خمود، وإن لم تكن باردة تماماً، أن انفرطت الدولة بالكامل ووصلت إلى حدّ من الضعف بل والامّحاء، وصارت أقرب إلى أن تكون مجالاً لكلّ لعب وكلّ انتهاك وكلّ تجاوز. كان التعب من ذلك وافتضاحه، وخصوصاً في مراحله الأخيرة، أن حرّضا على محاولة إصلاح، سرعان ما بانت صعوبتها المفرطة قريبة من الاستحالة، وكان انفراد حزب الله، الذي بدا شيعياً، وهذا وارد في مباراة الطوائف اللبنانية وصراعها على الدولة ومرافقها ومصالحها ومنافعها، اللذين طبعا التاريخ الحديث للبنان، هذا التاريخ الذي يمكن اختصاره بحرب أهلية مضمرة ومعلنة منذ كان، اتصل دائماً بتدخل أجنبي وعربي ودولي، بل إن هذا التدخل شارك بفعالية، بل مهّد وأسّس للصراع الأهلي. ضرورة المراجعة الثقافية بعد تأكُّد قصور ما كنّا عليه لا ننسى أن إسرائيل كانت بين هذه القوى المتدخّلة، والطريق الآن جاهز لذلك، والضيق بالحرب، والضيق بالطرف الذي يورّط الدولة والمجتمع فيها، بما يعني ذلك من هيمنته واستفراده وفرضه قد يحرّض على أي سلوك وعلى أي استدعاء. قد يكون ذلك خطراً على الجميع. الآن الحرب قائمة، ويرى معظم اللبنانيين أنها ليست حربهم. انفراد الشيعة ومن ورائهم إيران بالقضية العربية الأولى، القضية التي هي في رأس ما يشكّل التاريخ العربي المعاصر. هذا الانفراد لا يرضي بقية العرب الذين يرى أكثرهم أن إيران استولت على قضيتهم القومية. هذا ما يرون فيه نوعاً من القنص يشبه السرقة. ثم أن تُورِّط إيران لبنان وبقية اللبنانيين بحرب، لم تعد حربهم بل لم تكنها أساساً، يبدو من ناحية ما، عبثاً بتاريخهم وقضاياهم. الآن حرب ضارية. يخوضها اللبنانيون من غير إرادتهم، بل من غير موافقتهم. هذا ما يجعل مثقفاً لبنانياً بل وعربياً، يراجع  كلّ تاريخه، بل وكلّ ثقافته الراهنة، وكلّ إرثه المعاصر. ربما لذلك تبدو مقولة الحرب التي وسمت هذا التاريخ، منذ سقوط فلسطين، اختصرته وطبعت السياسة والاجتماع فيه. تبدو هذه المقولة وما استتبعته سياسياً وفكريّاً، وما قام عليها من ثقافة، قابلة لمراجعة هي في حقيقتها مراجعة ضرورية لبداية جديدة، بعد أن تأكّد قصور هذا التاريخ وطفوليته. ذلك يعني أن ذلك التاريخ الذي هو تقريباً تخييل لحرب أشبه بالغزوات القبلية، والتي تشبه الغزوات في انتفاء ما يمتّ إلى الحرب الحقيقية منها. ليس ذلك على المستوى العسكري فحسب، بل هو على بقية المستويات. إذ إن مشروع الدولة استُبعد من شتّى البلدان. واستُبعد كذلك أي مشروع سياسي. نستغرب أن لا وجود البتة للنضال الديمقراطي. الربيع العربي الذي طُرح لأول مرّة ما لبث أن انهار، وتبعته، بل وما واقتته، أطروحات دينية هي كثقافة الغزو ذات إرث موهوم. * شاعر وروائي من لبنان

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية