عربي
بينما كان جندي إسرائيلي، في 20 يناير/ كانون الثاني 2024، يقضي إجازته من المعركة في شقته في تل أبيب، بدأ خلاف بسيط مع صديق له. رفع الجندي سلاحه وأطلق النار على صديقه وأرداه قتيلاً. كان قرار القتل حينها سريعاً، لا يحتاج إلى تفكير كثير، ولعل هذا يبدو منطقياً تماماً لشخص تلطّخت يداه بدماء عشرات الفلسطينيين أو مئات منهم. اكتفت القناة 12 الإسرائيلية بالإشارة إلى أن "الخلفية جنائية"، وأن القاتل يحمل سلاحاً مرخّصاً. غير أن ما يصعب المرور عنه النمط الذي تكشفه هذه الحادثة حين تقرأ إلى جانب ما سبقها وما تلاها. جنود يعودون من الحرب فيعنّفون ذويهم أو أصدقاءهم، ومقاتلون يدلون بشهادات موثقة في وسائل الإعلام عن اغتصاب نساء وأطفال فلسطينيين، لا تحت وطأة الاعتراف، بل بنبرة من يروي أمراً اعتيادياً، ويفتخر به. لم يكن هذا المشهد الوحيد في الأشهر الماضية، فقد نشرت تقارير في وسائل إعلام إسرائيلية عن جنود أطلقوا النار عشوائياً على عائلاتهم، وعنّفوا زوجاتهم وأبناءهم بسادية، وعن أمهات قلن بصراحة إنهن يخشين التعامل مع أبنائهن عندما يعودون من الحرب، وعن مراكز تأهيل نفسية تعج بجنود عائدين من جبهات القتال.
في مقابلة أجرتها معها صحيفة هآرتس، تقول عالمة الاجتماع الإسرائيلية دانييلا شيبار-شابيرا إن "الحرب على غزّة أضفت الشرعية على العنف، وباتت الأرقام القياسية لجرائم القتل مرتفعة جداً، وتوزيع الأسلحة صار بحرية. أصبح من الطبيعي أن يطلق مدنيون إسرائيليون مسلحون النار على مدنيين آخرين في الشارع". وترى هذا كله "جعل الهجمات المدنية أمراً اعتيادياً. لم يعد أحد ينزعج منها. نحن نغرق في العنف والموت". وتضيف أن أمهات جنود إسرائيليين قلن لها إنهن يخفن بشكل واضح من أبنائهن بعد عودتهم من الحرب، إذ يلاحظن ميلاً كبيراً فيهم إلى العنف.
توضح الباحثة أن الحروب، وخصوصاً الحرب على غزّة، زادت بشكل كبير من مستويات العنف داخل الأسر الإسرائيلية، وأن شرعنة العنف التي رافقت هذه الحرب جعلت جنوداً كثيرين عائدين من جبهات القتال يعانون صعوبة في التحكم بمشاعرهم، وهو ما ينعكس أحياناً في سلوك عنيف داخل المنزل. وتلفت إلى أن دراسة حديثة أظهرت أن 30% من الأزواج الذين خدم أحد طرفيهم في الحرب أبلغوا عن عنف منزلي، بينما ترتفع النسبة إلى 45% عندما يخدم الطرفان معاً. كما تشير إلى أن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة من تطبيع العنف بسبب الحرب وانتشار السلاح، ما ينعكس أيضاً على العلاقات داخل العائلات. وتحذر شيبار-شابيرا من أن تجاهل العلاقة بين شرعنة العنف ضد الفلسطينيين والعنف الأسري الداخلي قد يؤدي إلى إنتاج مجتمع أكثر تطرّفاً واستخداماً للعنف. وتضيف أن تمجيد العنف في الخطاب العام خلال الحرب يعيد تشكيل نظرة الأفراد داخل المجتمع إلى حدود المقبول والمرفوض. وبحسبها، عندما يصبح العنف مبرّراً أو مشروعاً في الفضاء العام، بل وعندما يُتفاخر به، فإنه يتسرّب تدريجياً إلى العلاقات اليومية داخل المجتمع، بما في ذلك العلاقات الأسرية، حيث يزداد خطر العنف داخل المنازل.
سيكون المجتمع الإسرائيلي الفاتورة الثانية للمنظومة الاستعمارية الدموية التي تنتهجها إسرائيل
لفهم هذه الشرعنة، وكل هذا الاحتفاء بالعنف، يمكن أن نرى بوضوح كيف رحّب رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، ووزراء فيها، بقرار المحكمة الإسرائيلية إلغاء الحكم بحق جنود وثّقتهم كاميرات مراقبة وهم يغتصبون فلسطينياً في سجن سديه تيمان، رغم أن المدّعي العسكري في جيش الاحتلال، إيتي أوفير، لم يقدّم تبريراً واضحاً للقرار، واكتفى بأنه جاء لأن هذا الملف أصبح مساحة للاستقطاب السياسي. ولم تمض سوى دقائق على الإعلان حتى نشر نتنياهو بياناً رحّب فيه بالقرار، قائلاً "من غير المقبول أن يستغرق إغلاق هذا الملف كل هذا الوقت". ولحقه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ببيان آخر قال فيه إن "مقاتلي الجيش الإسرائيلي هم الأكثر شجاعة وأخلاقاً". فيما نشر وزير الأمن يسرائيل كاتس بياناً منفصلاً رحّب بهذه الخطوة، مضيفاً أن "دور المنظومة القضائية العسكرية حماية جنود الجيش الذين يقاتلون بشجاعة في حرب ضد وحوش قاسية، وليس حماية حقوق مخربي النخبة".
في المحصلة، ما تكشفه شهادات الجنود المنشورة وما ترصده الأرقام ليس مفاجئاً لمن يفهم طبيعة الحروب الاستعمارية، وتحديداً التي صار يُتفاخر بالعنف، خصوصاً حين تتحوّل شهادة جندي عن اغتصاب أو قتل طفل إلى جملة تقال بلا إدراك لثقلها الكارثي. هنا لا يقتصر الأمر على بشاعة الفعل نفسه، بل يتجاوزها إلى معنى أعمق. المجتمع الذي يمنح الشرعية لهذا القدر من العنف لا يملك ترف الدهشة حين يتسرب القتل إلى داخله. فما يجري في البيوت الإسرائيلية اليوم، وما سيحدث في أول اصطدام داخلي حول أي قضية سياسية أو اجتماعية في المستقبل داخل إسرائيل، سيكونان الوجه الآخر لمجتمع اختار، بإجماع شبه واسع، أن يبني نفسه على القتل وأن يقدّسه، وأن يشرعن العنف. الفلسطينيون والعرب والإيرانيون وكل من تسقط الصواريخ الإسرائيلية على رؤوسهم، كانوا الضحية الأولى لحروب دموية تشنها إسرائيل على المنطقة، لكن المجتمع الإسرائيلي نفسه بالتأكيد سيكون الفاتورة الثانية لهذه المنظومة الاستعمارية الدموية.

أخبار ذات صلة.
الاتفاق غير المنظور بين طهران وواشنطن
العربي الجديد
منذ 33 دقيقة
مستقبل أمن الخليج العربي
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة
الرقص على أنغام الإبادة
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة