في البعد الديني للحرب
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
يبدو أنه لم يعد ممكناً لكل من يتابع المعجم اللغوي المرافق للحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أن يتجاهل، بعد الآن، المكبوت التاريخي الضخم والمأساوي الذي يتمثّل، بشكل واضح، في البعد الديني. وإن كانت مسألة الحرب، ظاهرياً، تتعلّق بتوازنات القوى أو بحساباتٍ أخرى، فإن الإطار الديني الذي تتحرّك فيه هذه الحرب مثير للقلق، ومعقّد إلى درجة أن أحداً لم يتحدث عنه بعد. فالكل، على ما يبدو، يكتفي بالحديث عن الجانب السياسي المباشر والظاهر لهذا الصراع، مهملاً البعد الديني الخفي الموجود في التاريخ والحياة والذاكرة، والذي بدأ يظهر حادّاً وفعّالاً في معجم القادة السياسيين أنفسهم. وإن لم يكن الدين سبب الحرب المباشر، فإنه، بشكل أو بآخر، الوقود السياسي لها. إنّه اللغة التي تُستخدم لتبرير استمرار الضربات، وتفسير التضحيات، وتبرير النصر أو الخسارة، ناهيك عن تحويل الدعوة إلى وقف إطلاق النار إلى ما يشبه الخيانة أو الاستسلام. وعندما يحدث هذا، يصبح زمن الدبلوماسية أقل وزناً أمام ما تمكن تسميته "الزمن المقدّس". في الحالة الإيرانية، يُعبّر عن هذا البعد الديني في شكلين: الشهادة وانتظار المهدي. بالنسبة للشهادة، هي مرتبطة بمقتل الحسين في كربلاء. وهو حتى اليوم مصدر رمزيٌّ لتعبئة المجتمع وتحمّل الخسارات. وقد عملت إيران، منذ الثورة، على مأسسة هذا الحدث التاريخي، لا بوصفه مأساة تاريخية فحسب، إنما بوصفه واجباً أخلاقياً للتضحية في مواجهة الظلم. وهكذا تُستحضر اليوم حادثة كربلاء ومقتل الحسين في الخطاب السياسي المرافق للحرب، بوصفها مثالاً على أن التضحية والشهادة يمكن أن يكونا ثمناً للوقوف إلى جانب الحق. أما الشكل الثاني المتمثّل في انتظار المهدي الذي سيعود ليحقق العدالة، فهو أفق الخلاص المرافق لهذه الحرب، والذي يستحضر في الخطاب السياسي لإضفاء طابع ديني والتأكيد على ضرورة الانتظار والصبر على الأزمات، باعتبارها مرحلة تسبق تحقيق العدالة في المستقبل. حين تُفهم المعركة امتحاناً للقيم أو تنفيذاً لمهمة تاريخية أو دينية، يصبح التراجع عنها أشبه باعتراف بالهزيمة الدينية لا يختلف الأمر كثيراً في إسرائيل التي التصقت مفردة "الدفاع الوجودي" بها، منذ قيامها. وكثيراً ما يتقاطع هذا التعبير اللغوي في الأوساط السياسية والدينية مع قراءة لاهوتية للتاريخ، فداخل تيارات صهيونية دينية هناك تصوّر يرى في قيام الدولة وامتداد سيادتها على الأرض جزءاً من مسار خلاص تاريخي (ديني). وضمن هذا الإطار، لا تُفهم الأرض باعتبارها مجالاً سياسياً قابلاً للتفاوض، بل جزءاً من وعدٍ دينيٍّ أو مهمة تاريخية يجب تحقيقها، بغض النظر عن الزمن. ولا تنبع هذه القراءة من الاعتبارات الجيوسياسية وحدها، إنما من استدعاء نصوصٍ وتأويلاتٍ دينية تتحدّث عن "أرض إسرائيل" وحدودها الرمزية في التراث اليهودي. ومع صعود هذه التيارات داخل الحياة السياسية والعسكرية، لم يعد تعريف "النصر" مرتبطاً بإضعاف الخصم أو ردعه، بل صار مرتبطاً بشكل عضوي بالحفاظ على تصوّر أوسع عن رسالة تاريخية (دينية). ولهذا السبب، يمكن أن تبدو التسويات السياسية، في نظر بعضهم، تنازلاً ليس عن "الأرض" نفسها فحسب، بل عن المعنى الديني أو التاريخي. لا يكتمل فهم الصراعات في الشرق الأوسط بالنظر إلى التوازنات العسكرية وحدها يختلف الأمر قليلاً في الولايات المتحدة، فالدولة علمانية في بنيتها الدستورية، لكن البعد الديني يتسرّب سريعاً إلى الخطاب السياسي. وأحياناً يندمج هذا الخطاب مع فكرة الاستثنائية الأميركية، أي الاعتقاد بأن لأميركا دوراً تاريخياً فريداً ورسالة خاصة في حماية قيم معينة في العالم. وتارةً تتقاطع هذه الفكرة مع تيارات إنجيلية ترى في دعم إسرائيل جزءاً من سردية دينية أوسع. وفي الحالتين، يتحوّل التحالف السياسي إلى ما يشبه التزاماً أخلاقياً أو تاريخياً (دينياً)، لا مجرّد خيار استراتيجي. وقد ظهر هذا البعد الرمزي في أكثر من مشهد سياسي، من صلوات علنية من أجل الرئيس دونالد ترامب، والدعوة له من أجل الانتصار في الحرب، عبر لغة سياسية توحي بأن ما يجري جزءٌ من مشهد تاريخي أكبر. حتى إن بعض الخطابات ذهبت إلى استخدام صور رمزية، مثل القول إن إيران "ترى نجمة داود في سمائها"، في إشارة إلى انتصار إسرائيل أو حضورها الحاسم في الصراع. المشكلة في هذه السرديات أنها ترفع سقف الحرب أكثر مما تخفّضه. فحين تُفهم المعركة امتحاناً للقيم أو تنفيذاً لمهمة تاريخية أو دينية، يصبح التراجع عنها أشبه باعتراف بالهزيمة الدينية. وهنا يفقد النقاش السياسي مرونته، لأن أي دعوةٍ إلى التهدئة قد تُفسَّر تنازلاً عن المبدأ وانتصار لدينٍ على آخر أو لسردية تاريخية دينية على أخرى. ربما، لهذا السبب، لا يكتمل فهم الصراعات في الشرق الأوسط بالنظر إلى التوازنات العسكرية وحدها. فإلى جانب الجغرافيا والمصالح، هناك أيضاً تاريخ مقدّس وسرديات دينية. وهذه السرديات، حين تدخل المجال السياسي، لا تفسّر الحرب فقط، بل قد تجعل إنهاءها أكثر صعوبة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية