عربي
تشهد الدبلوماسية الصينية حراكاً مكثفاً هذه الأيام في إطار مساعي بكين لمحاولة لعب دور الوساطة عبر التواصل مع جميع الأطراف المعنية بالأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، ومع ذلك يرى مراقبون أن هناك مبالغة في تقدير دور الصين الذي لا يكاد يعدو عن كونه امتداداً أو تكراراً لوساطات سابقة في ملفات إقليمية ودولية لم تفض إلى حلول بنّاءة وعملية.
وكانت بكين قد أرسلت مبعوثها الخاص المعني بشؤون الشرق الأوسط، تشاي جون، إلى دول المنطقة، لـ"بذل جهود الوساطة"، في ظلّ اتساع دائرة الحرب على إيران، وتصاعد التوترات هناك، وقد التقى هناك بعدد من القيادات والمسؤولين، وفي الوقت نفسه، عقد نائب وزير الخارجية الصيني مياو دييو، اجتماعاً مع مبعوثين من جميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي في بكين الأسبوع الماضي، في خطوة اعتبرت محاولة من الصين لطمأنة شركائها.
تُعدّ الصين أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي
كما أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات هاتفية منفصلة خلال الأسبوعين الماضيين مع نظرائه من جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست، البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات، بالإضافة إلى إيران. ودعا إلى تهدئة الأوضاع وعودة جميع الأطراف إلى طاولة الحوار.
الصين شريك تجاري واستراتيجي
وتُعدّ الصين أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي وأكبر مشترٍ لصادراتها من البتروكيميائيات. وشكّلت الشحنات القادمة من الكتلة ما يقرب من ثلث إجمالي واردات الصين من النفط الخام في العام الماضي، بينما جاءت نسبة 11% أخرى من العراق، وفقاً لبيانات الجمارك الصينية.
ولكن في الوقت نفسه، تعمل الصين أيضاً على توطيد علاقات قوية مع إيران. فقد أعلنت طهران شريكاً استراتيجياً شاملاً قبل عقد من الزمن، وكانت أكبر شريك تجاري لها لأكثر من عقد من الزمن. في ضوء ذلك، أشار محللون إلى أن علاقة الصين طويلة الأمد مع إيران قد تسمح لها بلعب دور فريد في تهدئة التوترات، لكنهم حذروا من أن نفوذها ليس قوياً بما يكفي لمنع طهران من استهداف شركاء بكين في الخليج.
وقال الباحث المختص في شؤون الشرق الأوسط، المقيم في هونغ كونغ، شاو وي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن الاعتقاد بأن بكين تملك الأوراق والقدرة على ثني طهران عن استهداف دول الخليج، هو تقدير خاطئ، مبني على افتراضات غير صحيحة، مثل الحديث الشائع عن تأثير بكين على كوريا الشمالية في الملف النووي، وهذا أيضاً ينسحب على علاقاتها مع دول الخليج التي تقوم بالأساس على مصالح تكاد تنحصر في الجانب التجاري والاقتصادي.
شاو وي: تتحفظ بكين في استثمار قوتها الاقتصادية والعسكرية للتأثير على أطراف الصراع
وأضاف شاو وي أن جهود الوساطة الدبلوماسية الحالية هي استمرار لنهج الصين في سياساتها الخارجية التي تنطلق مما يُعرف بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي، وتشمل عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، واحترام السيادة الوطنية، وعدم الاعتداء المتبادل، وتسوية النزاعات من خلال الحوار، وعدم التعايش السلمي. ولكن هذه المبادئ التي تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، لا تصلح، حسب شاو، للتعامل مع الأزمات والصراعات الراهنة التي باتت أكثر تعقيداً.
ولفت شاو وي في هذا السياق، إلى أن بكين تدخلت بصفة وسيط في أزمات عدة، ولم تنجح إلا في استعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في عام 2023، والتي ما لبثت أن تعرضت لانتكاسة جديدة، في حين أنها فشلت في ملفات أخرى مثل الأزمة الأوكرانية، وحتى ملف المصالحة الفلسطينية الذي يعتبر أقل الملفات تعقيداً. وأرجع ذلك، إلى تحفظ بكين الشديد في استثمار قوتها الاقتصادية والعسكرية للتأثير على أطراف الصراع، واستشهد بالنهج الذي يتّبعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في استخدام القوة لفرض السلام كما حدث في الحرب على غزة، وضرب المنشآت النووية في إيران في يونيو/حزيران الماضي. واعتبر أن التلويح بالقوة في بعض الأحيان يشكّل ردعاً ووسيلة ناجعة للتأثير على صنّاع القرار في مناطق الصراعات.
لا أدوار أمنية
في المقابل، رأى مدير معهد الجنوب للدراسات الدولية الصيني، وانغ خه، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه ليس المطلوب من الصين أن تحرّك حاملات طائراتها إلى الشرق الأوسط من أجل إنجاح جهود الوساطة، أو حتى ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، لأنها أولاً ليست طرفاً في الصراع، ثانياً لأنها تملك علاقات وثيقة مع دول المنطقة خصوصاً مع إيران وفي الخليج العربي، يمكن استثمارها في هذا الاتجاه. وقال إن ميزة بكين بوصفها وسيطاً تكمن في قدرتها على الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف، إلى جانب الانسجام التام بين رؤية قادة المنطقة والمقاربة الصينية لمعالجة المخاطر الإقليمية والحد من تأثير السياسات المتهورة والأحادية التي تجرّ العالم إلى حافة حرب عالمية ثالثة.
ولفت وانغ خه إلى أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية المشتركة على طهران، ودخول المنطقة في دائرة الاستهداف، عزّزا من مخاوف دول الخليج بشأن السياسات الأميركية المتطرفة التي لم تأخذ بعين الاعتبار أمن الحلفاء، وهذا بطبيعة الحال يشير إلى أهمية الصين حليفاً استراتيجياً وشريكاً تجارياً موثوقاً، دون أن يعني ذلك القيام بأدوار أمنية في المنطقة.
يشار إلى أنه في وقت لاحق من هذا العام، سوف تستضيف الصين القمّة الثانية بين الصين والدول العربية، وهي من أهم الأحداث على جدول أعمال بكين الدبلوماسي لعام 2026 وعنصر أساسي في جهودها لتعزيز العلاقات مع دول الخليج.
