عربي
مع اتساع رقعة المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يتعمّق الغموض المحيط بمستقبل قطاع غزة الذي يبدو اليوم أكثر عرضة لتداعيات الصراعات الإقليمية من أي وقت مضى. الحرب على إيران ليست محصورة في ساحتها المباشرة، بل ألقت بظلالها الثقيلة على الملفات الأكثر هشاشة في المنطقة وفي مقدمتها غزة، حيث تتراجع الأولويات الإنسانية والسياسية أمام منطق القوة وإعادة ترتيب النفوذ. في خضم هذا التصعيد الذي يطاول لبنان أيضاً، لم يعد الحديث عن غزة يقتصر على وقف إطلاق النار أو تخفيف الكارثة الإنسانية، بل بات يرتبط بسلسلة من الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري تداولها في الكواليس، وسط محاولات أميركية وإقليمية لإعادة فتح الملف وفق مقاربات جديدة. غير أن هذه التحركات، بدل أن تبدد الغموض أسهمت في تعميقه، خصوصاً مع تزايد المؤشرات على أن القطاع قد يتحول مرة أخرى إلى ساحة اختبار لتوازنات ما بعد الحرب الإقليمية.
وتزداد ضبابية المشهد مع تعليق بعض الدول مشاركتها في أي ترتيبات أمنية أو ميدانية تخصّ غزة، بفعل التصعيد الجاري في المنطقة وغياب الضمانات الفعلية. كما تُظهر معطيات ما يسمى مركز التنسيق المدني - العسكري في كريات غات، الذي تقف الولايات المتحدة على رأسه، أن عدد شاحنات المساعدات التي تدخل قطاع غزة تراجع بنحو 80% منذ أن بدأت إسرائيل والولايات المتحدة العدوان على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي. ولفتت صحيفة هآرتس العبرية التي أوردت التفاصيل، أمس الخميس، إلى أنه قبل الحرب كانت تدخل إلى القطاع نحو 4200 شاحنة أسبوعياً في المتوسط، بينما في الأسبوع الأول للحرب دخلت 590 شاحنة فقط، وفي الأسبوع الثاني 1137 شاحنة، وفي الأسبوع الحالي دخل حتى مساء الثلاثاء أقل من 400 شاحنة.
غزة عالقة بين حرب وتسويات
وفي ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية وتدهور الواقع الإنساني وتعثر الأطر الإدارية والسياسية المطروحة، يبدو القطاع عالقاً بين حرب لم تنتهِ فعلياً وتسويات لم تتبلور بعد ومشهد مفتوح على احتمالات أكثر تعقيداً وخطورة. وقبل أيام كشفت وكالة رويترز، أن مبعوثين من "مجلس السلام" بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التقوا ممثلين عن حركة حماس في القاهرة، في أول لقاء معلن منذ بدء الحرب الإيرانية، ضمن مساعٍ للحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة تحت ضغط التصعيد ضد إيران.
وعلى الجانب الآخر، أعلنت الرئاسة الإندونيسية تعليق خطط نشر قواتها في غزة بسبب التصعيد العسكري الإقليمي، مؤكدة أن جميع الترتيبات المتعلقة بإرسال هذه القوات وُضعت في حالة انتظار، في مؤشر على تأثير الحرب الجارية على أي ترتيبات ميدانية تخص القطاع. وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة رصد 2073 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار بين 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي و18 مارس/آذار الحالي، بينها قصف وإطلاق نار ونسف منازل وتوغلات، ما أسفر عن مئات الضحايا المدنيين وفاقم هشاشة الوضع الإنساني والميداني.
وسام عفيفة: المؤشرات المتداولة توحي بأن الأيام المقبلة قد تحمل محاولة أميركية وإقليمية لإعادة فتح ملف غزة، لكن ليس بالصيغة التي يتطلع إليها الفلسطينيون
وأكد الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن المؤشرات المتداولة في الإقليم توحي بأن الأيام المقبلة قد تحمل محاولة أميركية وإقليمية لإعادة فتح ملف غزة، لكن ليس بالصيغة التي يتطلع إليها الفلسطينيون، بل ضمن معادلة جديدة، تحاول ربط التهدئة والإدارة الإنسانية بترتيبات سياسية وأمنية أوسع. وقال عفيفة في حديث لـ"العربي الجديد"، إن التحركات الجارية لا تبدو منفصلة عن المناخ الإقليمي الذي تشكّل بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، إذ يجري التعامل مع هذا الزخم العسكري باعتباره فرصة لإعادة صياغة بعض الملفات العالقة، وفي مقدمتها غزة. وشرح عفيفة أن المقاربة المطروحة قد تقوم على تمرير حزمة ترتيبات تشمل الإدارة المدنية للقطاع وتوسيع بعض التسهيلات الإنسانية وبلورة ترتيبات أمنية جديدة، مقابل تصاعد الضغوط في ملف سلاح المقاومة. ورأى أن غزة قد تتحول من جديد إلى ساحة اختبار لتوازنات ما بعد التصعيد الإقليمي، فيجري تقديم حلول معيشية وإدارية محدودة في مقابل مطالب أكثر حساسية تتصل ببنية القوة داخل القطاع.
ولفت عفيفة كذلك إلى أن هناك دافعين رئيسيين قد يفسران سبب إعادة فتح واشنطن لملف غزة في هذه الفترة؛ الدافع الأول هو السعي إلى ترسيخ صورة مزدوجة للدور الأميركي في الشرق الأوسط، تجمع بين الحسم العسكري والقدرة على رعاية الاستقرار، أما الدافع الثاني، فيرتبط بتقدير أميركي مفاده أن إضعاف إيران عسكرياً قد يقلص هامش المناورة لدى حلفائها، بما يفتح المجال أمام زيادة الضغط لفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في غزة. لكن عفيفة شدّد في الوقت نفسه على أن نجاح هذا المسار ليس مضموناً، لأن القطاع لا يزال ساحة شديدة التعقيد، وأي مقاربة تتجاهل الحقوق الفلسطينية أو تحاول الاكتفاء بإدارة الأزمة بدل حلها، ستبقى عرضة للاهتزاز. وهذا التقدير ينسجم مع مشهد ميداني شديد الاضطراب، إذ لا تبدو إسرائيل معنية بإيجاد انفراجة حقيقية، بقدر ما تبدو مستفيدة من انشغال الإقليم والعالم بالحرب، فكلما اتسع نطاق المواجهة مع إيران تراجع الضغط السياسي والإعلامي على ما يجري في غزة وازدادت قدرة الاحتلال على فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر استمرار الإغلاقات أو توسيع مناطق السيطرة أو تعميق الانهيار الإنساني.
ولا ترتبط ضبابية المشهد في غزة فقط بتأخر التفاهمات أو تعثر المبادرات، بل أيضاً بطبيعة المقاربة التي يجري العمل عليها، فهناك حديث عن إدارة مدنية وتسهيلات إنسانية وربما أطر أمنية جديدة، لكن دون وضوح بشأن المرجعيات السياسية أو حدود الدور الفلسطيني أو طبيعة الضمانات المطلوبة. كما أن تعليق بعض الدول مشاركتها في ترتيبات غزة يعكس خشية متزايدة من الانخراط في مشهد غير مستقر، قد يتغير بالكامل تحت وقع أي توسع إضافي للحرب الإقليمية.
إياد القرا: شهدت غزة يومياً عمليات اغتيال إلى جانب استمرار إغلاق المعابر
من جهته، قال المحلل السياسي إياد القرا، إن تأثير المواجهة الإيرانية مع إسرائيل والولايات المتحدة ينعكس بشكل واضح على قطاع غزة، مرجحاً أن يكون هذا التأثير سلبياً، إذ تستغله إسرائيل لتعزيز انتهاكاتها ورفع مستواها. وأوضح القرا في حديث لـ"العربي الجديد" أن الأيام الماضية في غزة شهدت يومياً عمليات اغتيال إلى جانب استمرار إغلاق المعابر عملياً وتوسعة ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء"، مع إحكام السيطرة عليها من المليشيات، الأمر الذي يفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع. وأضاف أنه "كان من المفترض أن تشكل هذه المرحلة فرصة لمنح اللجنة الإدارية لإدارة قطاع غزة دوراً أكبر وأكثر فاعلية في تولي شؤون القطاع في ظل هذه الظروف المعقدة، إلا أن إسرائيل عززت من تدخلها المباشر في كل ما يتعلق بقطاع غزة، وزادت من تعقيد الأوضاع المعيشية". وأشار القرا إلى أن القطاع بات عملياً أقرب إلى العودة إلى حالة المجاعة، في ظل استمرار السيطرة على "المنطقة الصفراء"، وهو ما يزيد من صعوبة الظروف، خصوصاً مع وجود ما يقارب مليون نازح دُمرت منازلهم، إلى جانب عمليات التدمير الواسعة في تلك المناطق، وافتقاد السكان لأبسط الخدمات الأساسية.
الأوضاع الإنسانية في غزة تزداد سوءاً
ولفت القرا إلى أن اللجنة الإدارية لم تتمكن حتى الآن من القيام بدورها، بسبب ما تواجهه من معوقات حقيقية وفعلية، ما يطرح تساؤلات كبيرة حول دورها وكذلك دور "مجلس السلام"، الذي حاول ترامب إعطاء انطباع مبالغ فيه بشأن أهميته وقدرته على إحداث تغييرات حقيقية في قطاع غزة، قبل أن يتضح أن كل ذلك لم يتجاوز حدود التصريحات التي لا قيمة فعلية لها على الأرض. ومساء الأربعاء أعلنت اللجنة الوطنية لإدارة غزة، أنها عقدت سلسلة من اللقاءات التي وصفتها بالمهمة مع عدد من الشركاء الدوليين. وأكد القرا أن الحقيقة الواضحة اليوم هي أن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تزداد سوءاً، وهو ما يصب في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي. ولفت إلى أن الإعلان عن تراجع بعض الجهات عن المشاركة في قوات الاستقرار الدولي أو القوات الأمنية التي كان من المفترض أن تسهم في حفظ الاستقرار، يعكس شعوراً متزايداً بأن الاتفاقات القائمة لم تعد موجودة فعلياً، وأن إسرائيل تواصل انتهاكاتها في ظل غياب ضمانات حقيقية تتيح لهذه اللجان أو القوات القيام بدورها.
وتوقّع القرا أن تبقى إسرائيل المتحكمة الأساسية في المشهد داخل قطاع غزة، لا سيما في "المنطقة الصفراء" والمعابر، معتبراً أن هذا الوضع مريح جداً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظل انشغال ترامب بالملف الإيراني، وهو ما قد يطول، بما يخفف الضغط عن إسرائيل. كما أشار إلى أن انشغال الدول العربية والإقليم، وكذلك المجتمع الدولي، بحدث يعتبرونه أكثر أهمية، يجعل من واقع غزة القائم أمراً يمكن التعايش معه، وهو ما وصفه بأنه الأخطر على الإطلاق: "لأن ذلك يعني القبول الضمني باستمرار واقع إنساني بالغ القسوة، يعاني فيه المواطنون أشد المعاناة".
