الخوف حين يصبح دائرة مغلقة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تعرض منصة نتفليكس مسلسلا بعنوان "ممّن كنا نهرب يا أمي" مأخوذا عن رواية بالاسم نفسه للروائية التركية بيريهان ماغدن، ويتحدث عن أم وابنتها الشابة الصغيرة فائقة الجمال وهما تتنقلان بين الفنادق بهويّات مزوّرة، وفي كل مكان تذهبان إليه ترتكب الأم جريمة قتل دافعها الخوف على ابنتها من دون أن تتمكّن السلطات من معرفة هويتهما الحقيقية أو القبض عليهما. تبدو قصة المسلسل في البداية بوليسية عادية، تحكي عن ملاحقة قاتلة متسلسلة هاربة من العدالة. لكن القصة تذهب نحو منحى آخر، إلى أفكار أكثر عمقاً وقوةً وأصالة من الجريمة: الخوف كيف يصبح طريقة حياة، البيت حين يتحوّل إلى جدران مصمتة تحت اسم الحب، الحب حين يتحوّل إلى سجن، الضحية حين تتحوّل إلى نسخة عن جلادها. الأم هي ابنة وحيدة لعائلة بالغة الثراء والنفوذ والقسوة والقوة تحبّ ابن السائق وتحمل منه، وحين تعلم الأسرة بذلك تطلب منها التخلص من الجنين لكنها ترفض، فتأمر والدتها بقتل الشاب الميكانيكي، وتهدّد ابنتها بالمصير نفسه خشية الفضيحة، يقتل الوالدان في حادث سيارة مفتعل من الابنة التي ترث كل أملاكهما وتُنجب طفلتها، وتهرب بها خوفاً من انتقام باقي العائلة التي شكّت بالحادث. وهنا تبدأ التفاصيل المدهشة في المسلسل. الطفلة لم تعرف بيتاً يوماً، لم تعرف كائناً آخر غير أمها، كل الآخرين الذين تصادفهم هم مشاريع خطر قادم، لم تفهم الابنة لماذا تعيشان في الفنادق، ولماذا ليس لهما بيت كما كل البشر وممَ تهربان أصلا، هي عرفت فقط أن بيتها هو أمها ذاتها، وأن كلاً منهما هي بيت الأخرى، لكن هذا البيت مغلق تماماً لا نوافذ له ولا أبواب، بيت مغلق بالكامل على ساكنته، يحجُب عنها الماضي والمستقبل، ويحجب كل الحاضر عدا ما تسمح به الأم التي ما زالت تعيش خوفها القديم على جنينها من القتل، فتسعى إلى أن تحيط ابنتها بحبٍّ تحول إلى سجن، وبحماية حوّلتها هي ذاتها إلى قاتلة. تتحوّل العلاقات البشرية في أكثر الأحيان إلى علاقات مريضة، ما لم يتم الاشتغال عليها جيداً، تصبح العلاقة قفصاً أو سجناً مغطّى بالحب، لكنه حبٌّ مصمت، ليس له هوية. اختفت في المسلسل هوية الابنة، وتماهت مع هوية والدتها، كل ما فيها مستعار من والدتها، تعيش تجاربها وتتقمّص خوفها وأفكارها وأوهامها ولغتها. لا تأتي جملة "كل منا هي بيت الأخرى" عفوية في المسلسل، هي تماما ثيمة الحكاية، حين يحصل ذوبان بين اثنين في علاقة ما، مهما كان نوع العلاقة، يحصل التماهي الذي يلغي شخصية طرفٍ لصالح الطرف الأقوى. عاشت الأم طفولة قاسية وعنفاً نفسيّاً ومادّياً، لكنها وهي تحاول حماية ابنتها من عنفٍ مشابه، بدأت تدور في الدائرة نفسها، وتحولت إلى امرأة تفوّقت على والدتها بالقسوة والعنف. ورغم كل محاولاتها إخفاء هذه القسوة عن ابنتها تحت اسم الحب، لن تجد الابنة التي تربت في بيت الخوف أمامها سوى الدائرة نفسها، حين تفقد أمها أخيراً: سوف تقتل كل من تظن أنه يريد بها الأذى. لا يكترث المسلسل بسردية توريث العنف وتدويره بقدر اكتراثه بسردية أن العالم مكانٌ خطر، فإذا كان سارتر يرى أن الآخرين هم الجحيم، فإن المسلسل يرى أن الآخرين قتلة إن أتيحت لهم الفرصة، وأن العالم مصمّم بالخوف، وعلينا أن نراه من داخل هذا الخوف، لا من حقيقته. هكذا يصيح العالم خطراً، والآخرون تهديداً والبقاء أولوية. هذا هو نظام الحياة، وضمنه يصبح القتل من أجل البقاء أمراً منطقياً يمكن فهمه، وأحياناً يمكن التعاطف معه، ليس بوصفه لحظة ضعف، بل جزءا من النظام العام. تحتكر العلاقة بين الأم وابنتها العالم كله لصالح ما تريده الأم، فهي تعطيها اللغة والخوف والمعنى والأعداء ووهم الحماية. تمارس الأم هنا دور السلطة التي توهم الابنة/ الشعب أنها الوطن/ البيت/ الأمان/ الحب الوحيد، لكن لحظة اختفائها يعيد الشعب/ الابنة إنتاج سلوكها نفسه من دون أن يدرك أن دائرة الخوف/ الأمان التي عاش فيها ليست سوى دائرة قاتلة له ولغيره.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية