عربي
ليس التعويل على دور كبير للمجتمع المدني في سورية بعد الحرب نتاج التأثر بالخطاب الأوربي، أو نتاج دوراتٍ تدرّب فيها الشباب على مفاهيم وقيم وآليات عمل. هذه المرّة يأتي الحديث عن المجتمع المدني بوصفه ضرورة، بسبب قائمة الاحتياجات الهائلة، وعدم قدرة الدولة على تلبيتها بمفردها.
فتح لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع (8/3/2026) مع ممثّلين من منظمات المجتمع المدني الباب مجدّداً أمام تساؤلات بشأن دور هذا المجتمع في المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها البلاد، سيما لجهة الرقابة والضغط على السلطة التنفيذية، والمساهمة في تحقيق العدالة الانتقالية، ونشر الوعي السياسي والمجتمعي، وتعزيز التشاركية السياسية. وبحسب رئاسة الجمهورية، أكّد الشرع على أهمية تعزيز الشراكة والتنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، بما يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى برامج التعافي المبكر.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، شهد الفضاء المدني في سورية نشاطاً ملحوظاً، حيث سُجّلت منظمات وجمعيات عديدة معنية لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، في خطوةٍ قد تؤسّس لإزالة القيود الصارمة التي كانت مفروضة على المجتمع المدني، استناداً إلى قوانين متشدّدة حكمت هذا الفضاء طويلاً، ومنها القانون رقم 93 لعام 1958، أو قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة، الذي منح الدولة سلطة حلّ الجمعيات والمنظمات من دون رقابة قضائية.
والمجتمع المدني تعريفاً هو مجموعة المنظمات والجمعيات والنقابات المهنية والمؤسّسات الثقافية والمجتمعية والحركات السياسية التي تمارس دور الرقيب على أداء السلطة، وتعمل على تعزيز الوعي والسلوك الديمقراطي، وترسيخ التشاركية السياسية، وحماية حقوق المنتسبين إليها ومساعدتهم خارج إطار العمل الحكومي. إلا أن العمل المدني في سورية لا يزال مقتصراً على الجوانب الإغاثية والإنسانية، ولم يصل بعد إلى الجوانب الأكثر ارتباطاً بالمجتمع، سواء الثقافية أو السياسية. فالنظرة إلى طبيعة المجتمع المدني ودوره في المرحلة الانتقالية لا تزال قاصرة عن إدراك وظيفته الحقيقية في ترميم مجتمع خرج من حرب دامت نحو 14 عاماً، تمزّقت خلالها روابط وحوامل مجتمعية كثيرة كفيلة بحماية السلم الأهلي الذي لا يزال هشاً بفعل الاعتماد المُفرِط على الحلول الأمنية والعسكرية، وتغييب دور منظّمات المجتمع المدني الحقوقية والسياسية.
زيدون الزعبي: المجتمع المدني يعاني من أزمات حالياً لأنه خضع للاستقطاب، ما أدى إلى فقدان دوره في تنظيم المجتمع وإيجاد مساحة للحوار بين الدولة والمجتمع
وتجدّدت المخاوف من توجّه لدى الإدارة الجديدة لفرض هيمنة الدولة على الفضاء المدني السوري، ولا سيما السياسي منه، وتقليص دوره وحصره في الجوانب الإغاثية، مع تشكيل الأمانة العامة للشؤون السياسية مطلع العام الفائت وإلحاقها بوزارة الخارجية. وتتمثل مهمة "الأمانة"، التي أثار تشكيلها موجة انتقادات، في "الإشراف على إدارة النشاطات والفعاليات السياسية داخل الجمهورية العربية السورية وتنظيمها وفقاً للوائح والقوانين الناظمة، إضافة إلى المشاركة في صياغة السياسات والخطط العامة المتعلقة بالشأن السياسي ورسمها".
وقد حلّت هذه الأمانة المكاتبَ التنفيذية في النقابات المهنية، وعيّنت بدلاً منها شخصياتٍ مرتبطةً بها أو مقرّبة منها، في محاولة ربما لإعادة تشكيل المشهد النقابي في مرحلة ما بعد الأسد بما يتناسب مع طبيعة السلطة الجديدة. ولا تتوفر حتى اللحظة مؤشرات على اتجاه نحو إجراء انتخابات في هذه النقابات لاختيار مكاتب تنفيذية منتخبة من دون تدخل حكومي، رغم أن هذه النقابات تُعدّ من الركائز الأساسية للمجتمع المدني، ومن المفترض أن تلعب دوراً مهماً في وضع السياسات العامة للدولة بالتنسيق الكامل معها.
ويرى الباحث في شؤون الحوكمة، زيدون الزعبي، في حديث لـ"سورية الجديدة"، أن المجتمع المدني في سورية "يعاني من أزمات حالياً لأنه خضع للاستقطاب"، مضيفاً: "هذا أدى إلى فقدان دوره في تنظيم المجتمع وإيجاد مساحة للحوار بين الدولة والمجتمع للضغط على الحكومة". ويقول إن المجتمع المدني "فقد القدرة والدور في تكميل دور الدولة"، مشيراً إلى وجود مجتمع مدني "يعمل خارج فكرة الدولة، فيما تمّ امتصاص جزء منه داخل مؤسسات الدولة، ما أفقده الكثير من حيويته، لكنه لم يمت بعد".
ويوضح الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، محمد السكري، الذي نال أخيراً الماجستير من جامعة تركية عن أطروحته "المجتمع المدني السوري والتحول الديمقراطي في مرحلة ما بعد النزاع"، لـ"سورية الجديدة" أن دور المجتمع المدني في سورية حالياً "يرتكز بشكل غالب على المجال الإغاثي والتدريبات المهنية، أكثر من الدور المدني– السياسي". ويُرجع السكري هذا إلى طبيعة نشوء هذا المجتمع خلال الثورة السورية، حيث "أدّى أدواراً إسعافية في غياب الدولة"، مضيفاً: "لم يعش المجتمع المدني خلال الثورة في سياق دولة طبيعية، ما جعله أمام حالة استثنائية ومعقدة".
ويعتبر السكري سقوط نظام بشار الأسد بمثابة "الصدمة البرامجية والهوياتية" للمجتمع المدني، إذ "لم يستطع التحوّل إلى أدواره بما هو قطاع ثالث، بل استمر في أداء الدور الإسعافي أو اتجه نحو فعل سياسي– إداري من خلال تقلّد مناصب سياسية". وبرأيه، ذلك أبعد المجتمع المدني عن دوره الحقيقي بصفته "حاملاً للطبقة الوسطى ومراقباً حي للتحولات السياسية في سورية"، وأن هذا التآكل ناتج من "ضعف البنى الداخلية وقصور في الرؤى السياسية".
محمد السكري: سقوط نظام بشار الأسد بمثابة "الصدمة البرامجية والهوياتية" للمجتمع المدني
ويضيف السكري أن "عدة عوامل أثّرت في تشكيل هوية المجتمع المدني في سورية، بما في ذلك الدعم الدولي، والتدخل العسكري، والاستقطاب الأيديولوجي، وغياب الدولة، وتفاوت التوزع الجغرافي، ولاحقاً تمييع البنية القانونية الناظمة له". ورغم أن "الفترة الأولى من المرحلة الانتقالية شهدت انفتاحاً على الحرّيات الفردية والأنشطة المدنية"، إلا أن هذا، بحسبه، "لم ينعكس على المجال العام". ويوضح: "هناك توجّه إلى هندسة المجال العام ورسم هويته ودوافعه السياسية، وإعادة تشكيل المجتمع المدني بشكل هرمي وانتقائي، وتقديمه فاعلاً مسانداً وداعماً بالمعنى السياسي– التوجيهي، لا فاعلاً مقيماً ومراقباً للمرحلة الانتقالية، مما جعله أمام تحدٍّ ذاتي". ويتابع: "هذه الهندسة، من جهة، وفقدان المجتمع المدني لبوصلة معيارية متعلقة بدوره الطبيعي خلال المرحلة الانتقالية، أبعدته عن ممارسة أدواره الطبيعية، باستثناء بعض المنظمات الفاعلة التي تحاول إعادة الزخم إليه".
ولم تعرف سورية عملاً مدنياً جاداً وحقيقياً منذ ستينيات القرن الفائت، إذ سيطر النظام البائد على كل مفاصل الدولة، باستثناء النقابات المهنية التي حاولت عام 1980 مواجهة تغوّل نظام حافظ الأسد على الدولة والمجتمع. وطالبت بـ"تأمين الحرية والديمقراطية لجميع المواطنين ومنحهم الحق في التعبير عن معتقداتهم وآرائهم السياسية"، كما طالبت بـ"إنهاء حالة الطوارئ" التي تحكم البلاد منذ عام 1963، العام الذي سيطر فيه حزب البعث على السلطة بالقوة، و"سحب المظاهر المسلحة من المدن"، و"تقليص دور الأجهزة الأمنية"، و"إطلاق سراح المعتقلين".
ولم يستجب النظام آنذاك لهذه المطالب، ما دفع النقابات المهنية إلى إعلان إضراب عام كانت نسبة الالتزام به عالية، ولا سيما في المدن الكبرى، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية إلى شن حملة اعتقالات واسعة طاولت المحامين والمهندسين، خصوصاً في دمشق وحلب. كما حلّ النظام كل مجالس النقابات وعيّن بدلاً منها شخصيات مرتبطة به وتنتمي إلى حزب البعث، وجعلها جزءاً من المنظمات الشعبية التابعة للحزب، الذي ظلّ يوجّه هذه النقابات حتى عام 2024، عبر ما كانت تُعرف بـ"القيادة القُطرية". وقد عطّل هذا دور النقابات بشكل كامل، باستثناء خدمات محدودة مثل منح الأعضاء رواتب تقاعدية.
كذلك، لم تكن في سورية منظمات أو جمعيات ذات أبعاد ثقافية أو حقوقية أو سياسية أو مجتمعية أو حتى إغاثية غير مرتبطة بالنظام البائد ارتباطاً عضوياً وتخدم أجندته السياسية والاقتصادية، ما حال دون قيامها بمهام تصبّ في صالح العمل المجتمعي.
وفي مطلع القرن الحالي، ومع تسلّم بشار الأسد السلطة، جرت محاولة لم يُكتب لها النجاح لـ"إحياء المجتمع المدني" خلال فترة ما عُرف بـ"ربيع دمشق"، حيث ظهرت المنتديات السياسية في العاصمة دمشق مطالِبة بإلغاء حالة الطوارئ، وإطلاق الحريات، وإصدار قانون ينظّم عمل الأحزاب والجمعيات والنوادي والمنظمات غير الحكومية. وانتشرت المنتديات السياسية التي وصل عددها إلى نحو 50، طالبت بالإصلاح السياسي والقضائي، واحترام الآراء المخالفة، وإطلاق الحريات العامة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإنهاء حالة الطوارئ. غير أن أجهزة النظام البائد أجهضت مطلع عام 2001 هذه المحاولة، وأغلقت المنتديات السياسية قسراً، ولاحقاً اعتقلت رموز "ربيع دمشق"، ومنهم: رياض سيف، ورياض الترك، ومأمون الحمصي، وعارف دليلة، وآخرون، ووجّهت إليهم تهمة "محاولة تغيير الدستور بوسائل غير مشروعة".
فضل عبد الغني: أهمية المجتمع المدني تكمن في أنه يحمل ذاكرة الضحايا، ويحوّل التوثيق من مجرد أرشيف إلى أساس للمساءلة والاعتراف والإنصاف
وقال الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، لـ"سورية الجديدة"، إن "تجربة العمل المدني في سورية أصيلة"، وكانت دائماً ملاحقة من النظام البائد". وأضاف: "نال هذا المجتمع تضييقاً كبيراً قبل اندلاع الثورة عام 2011. وبسبب الملاحقة والتضييق خلال النظام البائد، يحتاج المجتمع المدني إلى وقت لإعادة تشكيل نفسه بشكل صحيح. هناك فرصة مهمة له للعب دور محوري في المرحلة الانتقالية". وبرأيه، "قوى المجتمع المدني وتأطيره لم تنضج بعد. ويجب أن يكون لدينا شكل أكثر تطوراً للنقابات والروابط والأحزاب في العهد الجديد". ويرى أيضاً أن "سورية اليوم تعاني من انهيار الحوامل المجتمعية التقليدية"، مضيفاً: "الروابط الناشئة تعيش فوضى. وعلى المجتمع المدني أن يلعب دوراً مهماً في ترسيخ الاستقرار وفي عملية الانتقال السياسي، والمسؤولية هنا تقع على السوريين جميعاً، ولا سيما النخب الثقافية والسياسية".
ويرى فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي حصلت العام الفائت على ترخيص للعمل في البلاد وافتتحت مكتباً لها في دمشق، أن "المجتمع المدني السوري لا يزال أحد أهم الأصول الوطنية في البلاد"، إلا أنه "يعمل تحت ضغط تمويلي وسياسي، جعل جزءاً كبيراً من جهده موجَّهاً إلى الصمود المؤسسي أكثر من التوسع". ويشير عبد الغني إلى أن هذا المجتمع "أظهر بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 قدرة واضحة على التمدّد إلى مناطق كانت مغلقة سابقاً أمام العمل الأهلي". ويتابع: "استفاد من هامش حركة أوسع للوصول إلى أسر الضحايا والمعتقلين السابقين والمجتمعات المحلية". ولكن هذا الانفتاح "جاء في لحظة تراجع حاد في التمويل"، ولذلك "لم ينتقل كثير من المنظمات من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى البناء الانتقالي كما ينبغي، بل وجدت نفسها مضطرة إلى تجميد برامجها أو تقليصها".
وفي سياق الحديث عن الدور المنتظر من المجتمع المدني في المراحل الانتقالية، بفيد عبد الغني بأن "أهمية المجتمع المدني تكمن في أنه يحمل ذاكرة الضحايا، ويحوّل التوثيق من مجرد أرشيف إلى أساس للمساءلة والاعتراف والإنصاف". ويضيف: "الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في سياق العدالة الانتقالية في سورية، تنظر إلى منظمات المجتمع المدني بوصفها جزءاً رئيسياً من بنية الرقابة والشفافية، إلى جانب الضحايا والمجتمعات المحلية والنساء والشباب. ومن دون هذا الدور، تصبح العدالة الانتقالية أقرب إلى قرار إداري تصوغه السلطة التنفيذية، لا إلى عملية وطنية سورية المنشأ والملكية والمشاركة".
وفي الحالة السورية "يقوم المجتمع المدني بعدة وظائف متوازية"، كما بيّن عبد الغني، "منها التوثيق وبناء الملفات، والدعم النفسي والاجتماعي للناجين وأسر المفقودين، والمناصرة القانونية، ومكافحة التضليل، وفتح قنوات تواصل مجتمعي تساعد على تخفيف الاستقطاب". وأضاف: تنبع أهمية هذا الدور من أن الانتقال السوري لا يتعلق فقط بتغيير السلطة، بل بإعادة بناء الثقة العامة، واستعادة المجال العام، وخلق علاقة جديدة بين الدولة والمواطن والضحية. ولفت إلى أنه "مع اتساع الاحتياجات الإنسانية وتراجع التمويل الدولي المتاح، باتت المنظمات المدنية تعمل في بيئة مالية شديدة الانكماش"، مضيفاً: ازدادت الصورة سوءاً مع استمرار اتساع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والموارد المتاحة، بعدما كانت خطط الاستجابة الإنسانية في السنوات الأخيرة تتلقى نسباً متدنية من التمويل المطلوب. وأشار إلى أن "الصدمة الكبرى جاءت مع تجميد المساعدات الأميركية في 20 يناير/ كانون الثاني 2025 مدة 90 يوماً بانتظار المراجعة"، مضيفاً: كانت الولايات المتحدة تمثل نحو ربع التمويل الإنساني لسورية في عام 2024، بما يقارب 400 مليون دولار، وتجميده أدى إلى توقف أو تقليص خدمات أساسية، وإلى شلل شبه فوري في برامج المجتمع المدني غير المصنفة برامجَ منقذة للحياة، بما في ذلك برامج النساء، والعدالة، والإعلام، والتحقق من المعلومات.
وبيّن عبد الغني أن الخدمات تتراجع مع ضعف التمويل، وتتراجع أيضاً القدرة على إنتاج انتقال متوازن، مع تقلص العمل الحقوقي، وبناء القدرات المحلية، والمرافقة القانونية، والدعم النفسي، ورصد الانتهاكات"، مضيفاً: هذه هي العناصر التي تشكل البنية التحتية للعدالة الانتقالية. وأن "تقليص تمويل منصات التحقق والإعلام المدني يفتح المجال أمام الشائعات والتضليل واحتكار السردية العامة، وهو خطر كبير في سياق سوري لا يزال هشاً ومشحوناً"، مضيفاً: يجب أن يُنظر إلى دعم المجتمع المدني بوصفه استثماراً في استقرار الانتقال وسيادة القانون.
