عربي
أعاد اغتيال الاحتلال الإسرائيلي تسعة من عناصر وكوادر الشرطة الفلسطينية في غزة أمس الأول الأحد، فتح باب التساؤل عن أسباب تكثيف المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة عمليات الاستهداف لهذا القطاع المدني. ولا تعتبر حادثة اغتيال عناصر الشرطة التسعة في وسط القطاع الوحيدة خلال الفترة الأخيرة، إذ سبق أن شهد شهر رمضان الحالي عمليات اغتيال واستهداف طاولت حواجز شرطية في مدينتي غزة وخانيونس. فيوم الأربعاء الماضي قصف الاحتلال مراكز ونقاطاً شرطية في مهبط أنصار، قرب مقر السفارة القطرية، غربي مدينة غزة، فيما استشهد يوم الجمعة الماضي فلسطينيان في قصف نقطة للشرطة في مدينة خانيونس. وفي 30 يناير/ كانون الثاني الماضي قصف الاحتلال مركز شرطة الشيخ رضوان، شمال غربي المدينة، ما تسبب في استشهاد 11 فلسطينياً، غالبيتهم من الكوادر الشرطية من السيدات والرجال المنتسبين للجهاز الأمني.
تعمّد استهداف الشرطة في غزة
وعلى مدار حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع تعمد الاحتلال استهداف قادة المنظومة الأمنية والشرطية في غزة، إذ اغتال وكيل وزارة الداخلية محمود أبو وطفة، وقائد عام الشرطة محمود صلاح. إلى جانب ذلك، نفذ الاحتلال عمليات استهداف طاولت غالبية المراكز الشرطية، فضلاً عن استهداف العناصر والكوادر العاملين في الأجهزة الأمنية الذين كانوا يحاولون تنفيذ عمليات تأمين لشاحنات المساعدات.
وفي أعقاب الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبدء تطبيقه في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تم الاتفاق على استبدال الأجهزة الشرطية القائمة بجهاز جديد تشرف كل من مصر والأردن على تدريبه. وحتى اللحظة لم تتمكن لجنة إدارة غزة من الوصول إلى القطاع على الرغم من الإعلان عنها وعن جميع أعضائها بسبب العراقيل التي وضعتها حكومة بنيامين نتنياهو، وعدم الانتقال بشكل حقيقي إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وبحسب إحصائيات وزارة الداخلية في غزة، فإن حرب الإبادة التي امتدت منذ أكتوبر 2023 وحتى أكتوبر 2025، شهدت استشهاد 2700 عنصر من مختلف الأجهزة الشرطية والكوادر وقادة الأجهزة الأمنية. وخلال الحروب التي شهدها القطاع منذ عام 2008 وحتى حرب الإبادة كان الاحتلال الإسرائيلي يركز على استهداف الأجهزة الأمنية وقادة الشرطة، حيث افتتح حربه الأولى عام 2008 ـ 2009 بقصف طاول المراكز الشرطية في القطاع.
مصطفى إبراهيم: استهداف الشرطة يأتي في سياق منع "حماس" من الحفاظ على أي حضور مدني أو إداري داخل القطاع
وقال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن استهداف الشرطة في قطاع غزة يأتي في سياق السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى منع حركة حماس من الحفاظ على أي حضور مدني أو إداري داخل القطاع، وهو ما ينسجم مع الأهداف التي أعلنتها إسرائيل منذ بداية الحرب، والمتمثلة في القضاء على الحركة عسكرياً ومدنياً، بحيث لا يبقى لها أي وجود مؤثر في غزة. وأضاف إبراهيم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن اتفاق وقف إطلاق النار لم ينص على إنهاء الدور المدني لـ"حماس" أو إقصائها من إدارة الشؤون الحياتية في القطاع، إلا أن إسرائيل، في ظل غياب ضمانات حقيقية لتنفيذ الاتفاق، تواصل "تجريف البنية الإدارية والمدنية" في غزة.
وأوضح إبراهيم أن إسرائيل تعمل أيضاً على عرقلة أي ترتيبات تتعلق بإدارة القطاع، بما في ذلك عمل مجلس السلام أو اللجنة الوطنية المقترحة لإدارة غزة، الأمر الذي يعيق عودة مؤسسات الحكم إلى العمل بشكل طبيعي. وبيّن أن استهداف عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية يهدف إلى زعزعة ما تبقّى من منظومة الحكم التي تديرها "حماس"، ودفعها نحو الانهيار الكامل، مؤكداً أن إسرائيل لا ترغب في ظهور أي مظاهر تشير إلى استمرار وجود الحركة في إدارة القطاع، حتى ولو كان ذلك من خلال مهام شرطية أساسية مثل حفظ النظام وتنظيم الشوارع ومكافحة الجريمة وملاحقة المخالفين.
وأشار إبراهيم إلى أن هذه الأدوار المدنية والأمنية تثير انزعاج إسرائيل، لأنها تعطي انطباعاً بأن الحركة ما زالت قائمة وتدير شؤون القطاع، وهو ما يتعارض مع الرواية الإسرائيلية حول تحقيق أهداف الحرب. وأضاف أن إسرائيل تدرك أن "حماس" ما زالت موجودة ميدانياً، وتسيطر على نحو 40% من مساحة قطاع غزة، فيما تسيطر القوات الإسرائيلية على بقية المناطق البالغة نحو 60% من مساحة القطاع. ولفت إبراهيم إلى أن استهداف الأجهزة الأمنية يندرج ضمن استراتيجية أوسع تقوم على إضعاف النظام العام، ونشر الفوضى، وبث الشائعات، إضافة إلى محاولات اغتيال نفذتها مجموعات مسلحة، كان من بينها قتل أحد أفراد الشرطة وآخر من جهاز الأمن الداخلي على يد عناصر من هذه العصابات.
ووفقاً لإحصائيات وزارة الصحة في غزة، فقد شهد القطاع منذ بداية شهر رمضان (18 فبراير/ شباط 2026)، استشهاد قرابة 60 فلسطينياً نتيجة عمليات الاستهداف والقصف الإسرائيلية اليومية التي تطاول مختلف مناطق القطاع.
تثبيت الفوضى
من جهته، رأى مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية أحمد الطناني أن الاحتلال الإسرائيلي يستثمر حالة الانشغال الدولي لإعادة صياغة الأوضاع على الأرض في قطاع غزة، عبر تكريس نمط من الاستهدافات اليومية وعمليات القتل المتواصلة، حتى من دون المبررات التي كان يسوقها سابقاً بذريعة وجود أهداف عسكرية في مناطق محددة.
وقال الطناني، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن ما يجري فعلياً هو "عملية استهداف ممنهجة"، تتصدرها في هذه المرحلة عمليات قصف واستهداف رجال الأمن والشرطة في قطاع غزة، مشيراً إلى أن تتبّع نمط هذه الهجمات يُظهر أن غالبية المواقع المستهدفة تقع في مناطق مطلة أو قريبة مما يُعرف بـ"الخط الأصفر". وأشار إلى أن الاحتلال يتعمد ضرب نقاط التفتيش والمراقبة التي أنشأتها الأجهزة الأمنية في القطاع لضبط الحالة الأمنية، مضيفاً أن الهدف من ذلك هو تقويض قدرة هذه الأجهزة على منع تحركات مجموعات مسلحة أو مليشيات مدعومة ومتعاونة مع الاحتلال تسعى إلى العبث بالوضع الأمني داخل القطاع.
أحمد الطناني: هدف الاحتلال تقويض قدرة الأجهزة الأمنية على منع تحركات مجموعات مسلحة أو مليشيات مدعومة ومتعاونة مع الاحتلال
وبحسب الطناني، فإن الهدف المركزي من هذه الضربات يتمثل في "تثبيت حالة من الفوضى وعدم اليقين الأمني في قطاع غزة" وخلق بيئة تسمح للاحتلال بترويج روايات عن أحداث أمنية داخلية أو اشتباكات بين أطراف فلسطينية. ولفت إلى أن ترك فراغ أمني يتيح لتلك المجموعات التحرك داخل القطاع وتنفيذ عمليات في عمقه، مشيراً إلى أن بعض العمليات التي شهدها القطاع أخيراً حملت مؤشرات إلى تصفيات مباشرة لكوادر في الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة، إضافة إلى استهداف ضباط في الأجهزة الأمنية، في عمليات قال إنها تمت بإشارة وتخطيط مسبق من جهاز "الشاباك" الإسرائيلي. واعتبر أن هذه السياسات قد تمهد لسيناريوهات أكثر إرباكاً للمشهد الفلسطيني الداخلي، وربما تستهدف أيضاً إحباط أي مساعٍ لنقل المسؤولية الحكومية في قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط، من خلال إشاعة أجواء من الفوضى والاشتباك الداخلي.

أخبار ذات صلة.
تجاهل الواقع
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة