تجاهل الواقع
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تعتبر الفترة الانتقالية اللحظة التي لا يكون فيها القديم قد مات تماماً، ولا الجديد قد وُلد تماماً. إنها أشبه بحقل مفتوح، تتصارع فيه القوى السياسية والاقتصادية والأخلاقية على احتلال الساحة قبل رسوخ النظام الجديد. هذه اللحظة قد تمتد من دون تحديد، ربما سنوات، تخالط الناس خلالها مشاعر الخوف من الفوضى والانهيار، مع نفاد الصبر إلى الاستقرار، بينما تظهر قوى تسعى إلى الاستيلاء على هذه اللحظة المضطربة؛ رجال أعمال، قادة عسكريون، شبكات فساد، معارضة ناقدة، معارضة مأجورة، انتهازيون، قوى خارجية. كذلك جماعات الحنين إلى الماضي الذي لم يبتعد كثيراً، فيأملون بعودته. لهذا كانت المرحلة الانتقالية لحظة اختبار أخلاقي وسياسي في آن. تكشف معدن النخب، فإسقاط النظام السابق وضع المثقفين أمام خيارات، إما أن يكونوا مشاركين في بناء الدولة، أو ناقدين أو معارضين لها، رغم أنهم جميعاً كانوا من قبل معارضين لنظام الأسد دونما تمييز بينهم، فلم تكن الهوية بالحسبان، ما دام العدو واحداً، لكنها ستشكل خريطة انقسام المثقفين، لا تقتصر عليهم، وستشهد انشقاقات في ما بينهم. المرحلة الانتقالية لحظة اختبار أخلاقي وسياسي في آن سارع بعض المثقفين إلى تأييد السلطة الجديدة، بدعوى أنها القوة القادرة على إجراء التحول المرتقب، وقيادة عملية بناء الدولة. القسم الثاني من المثقفين، اختار الموقف النقدي المعارض للسلطة، أما القسم الثالث، فيعارض أيضاً، لكن تحت راية الرفض الشامل لكل ما تتخذه السلطة من إجراءات، حتى لو كانت الوقائع لا تبرره. ولئلا نستغرب، ونعتقد أن الوضع السوري استثناء عن غيره، أو لا مثيل له، فالثابت أنها ظاهرة معروفة في كثير من البلدان التي خرجت من أنظمة استبدادية. لا يخفي الانقسام بين المثقفين صراعاً أيديولوجياً، يظهر بوضوح بين الذين يتبنون رؤى علمانية جذرية أو يسارية أو ليبرالية، المتشددون من هؤلاء يرون أن أي حضور قوي للدين في المجال العام خطر على الدولة الحديثة، وقد يصل العداء للدين إلى إظهار الكراهية للإسلام بالذات. بينما في المقابل، الذين يريدون المشاركة لا يرون ضيراً في إعطاء السلطة الجديدة ذات الصبغة الإسلامية فرصة لهذه التجربة، باعتبار أن الإسلام جزء أساسي من الهوية المجتمعية والسياسية. المشكلة في هذا الخلاف الفكري انتقاله إلى صراع صفري، وبدلاً من النقاش حول شكل الدولة، أصبح الهدف إفشال المشروع الذي لا يتوافق معه مثقفون تشكل الأيديولوجيا تصوراتهم بصرف النظر عن الظروف والواقع، يستعيدونها كما هي، على أنها الهوية التي لا تنازل عنها، ولا يتورعون عن استخدام الشائعات والمبالغة، وكأنهم في المستوى الأعمق ورثوا الثقافة السياسية الرثة التي تركها النظام السابق. وهذا ما يُلمس في وسائل التواصل الاجتماعي، عندما يُوظف النقد للتحريض. تحتاج التجربة إلى نقد حقيقي ينطلق من الرغبة في إصلاحها، بينما ينطلق التحريض من الرغبة في إثبات فشلها، بحيث يصبح الهدف ليس فهم الواقع، وإنما إثبات فكرة مسبقة عنه، يمتلكونها وحدهم، لا تعني سوى الوقود لصراع جديد. تقود جماعة الرفض الشامل هذه الرغبة، وبعضها من ناشطي المنفى الذين يعملون ضمن منظمات ومؤسسات حقوقية أو إعلامية أو بحثية، تعتمد في وجودها على استمرار وجود "قضية" أو "أزمة". لهذا تبدو سورية لقمة سائغة، طالما في كل يوم تواجه السلطة قضية أو أكثر من القضايا التي ورثتها مع التركة الثقيلة، عدا عشرات الأزمات يومياً. ما الذي يشجع الناشطين على المبالغة في الأخطاء وتضخيمها، وترويج الأكاذيب عنها؟ السبب ببساطة أنّ النقد الحقيقي لها، لا المتاجرة بها، يحيلهم إلى عاطلين عن العمل. فيتعمّدون تجاهل الواقع، ويركّزون على الجانب السلبي والإيجابي، لا فرق، بأسلوب كيدي، مع أنهم في المنفى فقدوا الصلة بالواقع الاجتماعي في بلدهم المنكوب. * روائي سوري

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية