عربي
يمر الاقتصاد المصري بحالة من الصدمة العنيفة بعد أكثر من أسبوعين على اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران. تدور الأعمال العسكرية على مسافة آلاف الأميال من الحدود المصرية، وطاولت أضرارها مباشرة كل دول الخليج والعراق والأردن ولبنان وسورية. تتفاقم آثار الصدمة يومياً في البلاد، وقد لخّصها تقرير أصدرته مؤسسة فيتش سوليوشن Fitch Solutions العالمية يوم الأحد 15 مارس/آذار، تحت عنوان لافت "الاقتصاد المصري يعد من أكثر الاقتصادات الناشئة تعرضاً لخسائر هذه الحرب".
وضع التقرير الذي قاس مدى تعرض 24 اقتصاداً ناشئاً للصدمات الناتجة عن الحرب، مصر في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث مستوى المخاطر، بعد باكستان والهند، مسجلة 65.4 نقطة من أصل 100 نقطة على مؤشر التعرض للمخاطر، حيث جاءت الدولة المجاورة لإيران والمطلة على مدخل الخليج العربي، باكستان أولاً بـ 68.8 نقطة، تلتها دولة الهند بـ 66.9 نقطة، بينما تنخفض معدلات هذه المخاطر على دول الخليج. وبينما يبدو المسؤولون المصريون منهمكين في طرح أسباب الصدمة على المواطنين داعين الشعب إلى مزيد من الصبر والتحمل، تطرح المؤشرات أمام المواطنين والباحثين في الاقتصاد السياسي سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لدولة بعيدة نسبياً عن ساحة الحرب أن تكون من الأكثر تعرضاً لخسائرها وبما يفوق خسائر دول الخليج القريبة من مسرحها العمليات العسكرية.
تتفاقم آثار الصدمة يومياً في البلاد، وقد لخّصها تقرير أصدرته مؤسسة "فيتش سوليوشن" تحت عنوان لافت "الاقتصاد المصري يعد من أكثر الاقتصادات الناشئة تعرضاً لخسائر هذه الحرب".
ولكي نتوصل إلى إجابة شافية، علينا النظر إلى ما هو أبعد من الموقع الجغرافي للحرب، والبحث في بنية الاقتصاد المصري الذي يخرج من أزمة تلو أخرى، فيصاب بصدمات كلما هبت عواصف عاتية في مكان ما حول العالم، كما حدث من قبل أثناء انتشار وباء كوفيد-19 بالصين ومن بعد، الحرب الروسية – الأوكرانية. فوفقا لمؤشر "فيتش" الذي يقيس تعرض الدول للمخاطر، تنفرد مصر بـ"الاعتماد على واردات الطاقة مع هشاشة الاحتياطي النقدي مع كثرة الديون الخارجية والمحلية وحساسية الجنيه للتقلبات المالية، وارتباط الاقتصاد بممرات التجارة الدولية المهددة بالحرب، سواء كانت بمضيق هرمز أو باب المندب وقناة السويس".
وسط هذه المخاطر مجتمعة، تبدو مصر، المتميزة في الجغرافية، شديدة الحساسية للصدمات، فعلى الرغم من اكتشافات آبار الغاز بكثرة خلال السنوات الماضية، لا تزال مصر مستورداً صافياً للمنتجات البترولية، بقيمة حدّدها رئيس الدولة في لقائه الأخير، على مائدة الإفطار السنوي مع "الأسرة المصرية" منذ يومين بنحو 20 مليار دولار سنوياً، بما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط عبئاً مباشراً على ميزان المدفوعات والموازنة العامة. تشير تقديرات اقتصادية إلى أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر النفط ترفع فاتورة الاستيراد المصرية بما يتراوح بين 2 و3 مليارات دولار سنوياً، هذا يعني في ظل تصعيد حالة الحرب وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، مع توقع بأن تقفز الأسعار إلى مستويات تتجاوز 110 أو حتى 120 دولاراً للبرميل على المدى القريب، سترتفع فاتورة الطاقة المصرية بما يصل إلى 6 إلى 9 مليارات دولار سنوياً، وقد تتضاعف في حالة استمرار أمد الحرب لأكثر من ثلاثة أشهر من الآن.
رغم عظم المبالغ التي ستوجه للطاقة من خزينة شحيحة الموارد، فإنها ليست سوى الحلقة الأولى في سلسلة الصدمات التي تظهر عمق الهشاشة المالية المزمنة، حيث يعتمد الاقتصاد بدرجة كبيرة على تدفقات مالية خارجية لتغطية احتياجاته الدولارية، سواء عبر الاقتراض أو جذب استثمارات المحافظ الأجنبية في أدوات الدين الحكومية مقابل دفع فوائد بلغت الأسبوع الماضي نحو 30%.
هذه الأموال التي تأتي لشراء أدوات الدين الحكومية، والتي يُطلق عليها اقتصادياً "الأموال الساخنة"، تدخل الخزانة العامة سريعاً عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة، والتي فاقت في بعض الأحيان 34%، عدا تكلفة التأمين عليها، ولكنها تخرج بالسرعة نفسها عند أول إشارة حول حالة اضطراب جيو-سياسي. هذا الخروج السريع شاهدناه في مارس/آذار 2022، عقب نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، والأسبوعين الماضيين حيث شهدت الأسواق المصرية بالفعل خروجاً كثيفاً لرؤوس الأموال بقيمة 6.7 مليارات دولار، عقب التصعيد العسكري في المنطقة، قبل أن تعود بعض التدفقات الخميس الماضي، بعد رفع البنك المركزي العائد على الاستثمار في أدوات الدين من متوسط فائدة 22% إلى ما بين 29%-30% دفعة واحدة.
هذا النمط من التمويل الذي يضغط الطلب على الدولار وقيمة الجنيه المصري، يواجه معارضة شديدة من جانب أغلب الاقتصاديين ورجال الأعمال الذين يرونه عنصراً ضاغطاً على الأسواق ودخول المواطنين ومثيراً لحساسية العملة الوطنية في مواجهة الصدمات الخارجية. فكل خروج مفاجئ للأموال الأجنبية يخلق فجوة دولارية جديدة، ويضغط على سعر الصرف، ويحدث ركوداً وتضخماً، وهو ما شهدته مصر خلال موجات التعويم المتتالية ما بين عامي 2022 و2024، والتي تتكرر مشاهدها هذه الأيام حيث فقد الجنيه نحو 80% من قيمته على مدار 10 سنوات. لا تؤثر حالة الحرب والاضطرابات الإقليمية على أسعار الطاقة فقط، بل تمتد إلى طرق التجارة البحرية، فتراجع حركة السفن نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين أو تغير المسارات البحرية، يضغط مباشرة على إيرادات قناة السويس. لذا أصبح الاقتصاد في مواجهة ثلاث صدمات متزامنة، تتعلق بإمدادات الطاقة والتمويل بالنقد الأجنبي وصدمة التجارة الدولية.
المفارقة أن دول الخليج الأقرب إلى مسرح الحرب لا تواجه مستوى المخاطر نفسه، وذلك لسبب بسيط في منطق الاقتصاد، بأنه ما يعد صدمة سلبية للدول المستوردة للطاقة يتحول إلى فرص ومكسب للدول المصدرة لها. فالدول النفطية مثل السعودية والإمارات والكويت والمنتجة للغاز مثل قطر، قد تحقق إيرادات اضافية عندما يعود العمل في آبار النفط والغاز بكامل طاقتها، وحتى مع استمرار حالة الحرب، فإن بعضها يحقق ايرادات إضافية مع ارتفاع أسعار النفط، بما يمنحها هامشاً مالياً واسعاً لامتصاص الصدمات الجيوسياسية. أما مصر، فهي تقف في الجانب الآخر من المعادلة حيث يعتمد الاقتصاد على الطاقة المستوردة وعلى التمويل الخارجي في الوقت نفسه، لدفع هذه المشتريات. إذن نحن أمام أزمة متجذرة، وجاءت الحرب عنصراً جديداً كاشفاً لبنية اقتصادية تعاني من هشاشة مزمنة. فخلال العقد الأخير اعتمد النمو الاقتصادي بدرجة كبيرة على مشروعات البنية التحتية والإنفاق العام، الممول من ديون محلية وأجنبية، بينما ظل القطاع الإنتاجي بما فيه الصناعي والزراعي وكذلك الخدمي، أقل قدرة على توليد صادرات أو تقليل الاعتماد على الواردات.
الدول النفطية مثل السعودية والإمارات والكويت والمنتجة للغاز مثل قطر، قد تحقق إيرادات اضافية عندما يعود العمل في آبار النفط والغاز بكامل طاقتها
وفي ظل هذا النموذج، يصبح الاقتصاد شديد الحساسية لأي تغير في الظروف الدولية مثل ارتفاع النفط وتشديد السياسة النقدية العالمية، أو تصاعد التوترات الجيوسياسية، بمعنى آخر، المشكلة هنا ليست في حالة الحرب وحدها، بل في طريقة إدارة الاقتصاد خلال السنوات الماضية. قد تنتهي الحرب أو تطول، مع ذلك فإن المخرج الذي تحتاج إليه مصر لاجتياز هذه الأزمة، هي تغيير شامل في سبل المواجهة، لبنية الاقتصاد الذي تحول إلى اقتصاد ريعي قائم على الجباية والاقتراض بما يضيف المزيد من الديون، وذلك بإعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو الإنتاج والتصدير. لن نخرج من هذه الأزمة العميقة إلا عبر إصلاح مؤسسي أعمق يعيد الانضباط للسياسات المالية والنقدية، ويمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في الاقتصاد، وللرأي العام قدرته في تحديد أوجه صرف موازنة الدولة، والرقابة على كل جنيه ينفق على المشروعات العامة، التي يجري تمويلها حالياً بعيداً عن رقابة حقيقة للبرلمان ومعدومة من الأجهزة المحلية ولا يسمح بمناقشة جادة حولها بوسائل الإعلام.
