هل يدفع العراق ثمن ارتباطه العقائدي؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
نحن اليوم لا نتحدث عن مجرد حدث سياسي عابر أو تصعيد عسكري تقليدي، بل نحن أمام لحظة تاريخية فارقة أعادت رسم موازين القوى في المنطقة بطريقة لم يشهدها العصر الحديث. إنّ الأنباء التي تواترت حول مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في خضم مواجهة وُصفت بأنها "موجة الضربات الأولى"، وضعت المنطقة بأسرها أمام واقع جديد يتجاوز فكرة فقدان قائد، لينتقل بنا إلى مرحلة "الحرب المفتوحة" التي لا تعرف الخطوط الحمراء ولا تعترف بقواعد الاشتباك القديمة. إن ما يجري الآن في الساحات، من طهران إلى بغداد وصولاً إلى البصرة والديالى، ليست مجرد ردّات أفعال عاطفية، بل هو تعبير عن ولادة "عقيدة قتالية" جديدة ترى في المواجهة المباشرة مع المشروع الأميركي الصهيوني خياراً وجودياً لا رجعة عنه. صمود قوي بحاجة إلى قائد المثير للدهشة في القراءة العسكرية العميقة للمشهد هو أنّ الدولة في إيران، ورغم الضربة القاسية التي استهدفت قمتها الهرمية، لم تسقط في فخ الفوضى أو الانهيار الإداري كما راهن خصومها. على العكس تماماً، أثبتت الساعات اللاحقة أن هناك منظومة "قيادة وسيطرة" مركبة ومبرمجة سلفاً للعمل في أقسى الظروف وأكثرها تعقيداً. استمرار الضربات الموجهة نحو 14 قاعدة أميركية واستهداف سفن الإمداد في المحيط الهندي والخليج يؤكد أن القرار العسكري الإيراني أصبح "لامركزياً" ومستنداً إلى خطط استراتيجية جاهزة للتنفيذ التلقائي. هذا التطور أذهل الخبراء العسكريين، إذ تبين أن غياب الرمز لم يكسر الإرادة، بل أطلق العنان لقوة ردع كانت محبوسة خلف حسابات الدبلوماسية المعقدة، ما جعل الرد يبدو كأنه "البعث الجديد" للمقاومة في لحظة ظن فيها الأعداء أن الأمر قد حُسم لصالحهم. العراق في قلب الإعصار: التوتر الإقليمي يزداد خطورة والعراق ليس ببعيد عنه لا يمكن قراءة ما يجري بمعزل عن الأرض العراقية؛ فالعراق اليوم يجد نفسه في عين الإعصار، ليس بوصفه ساحةً لتصفية الحسابات فحسب، بل بصفته شريكاً حقيقياً في الدم والمصير. القصف الأميركي الذي استهدف مقرات الحشد الشعبي في جرف النصر والمقدادية يعيد التذكير بأن العدوان لا يعترف بحدود جغرافية عندما يتعلق الأمر بضرب "محور المقاومة". الجماهير التي تستمر بالزحف الآن نحو بوابات المنطقة الخضراء في بغداد، والجموع التي ملأت شوارع البصرة والناصرية مرتدية الأكفان، لم تخرج لمجرد التضامن البروتوكولي، بل خرجت لتعلن أن "الحرب حربنا جميعاً". هذا الارتباط العقائدي والوجداني هو ما يخشاه المخطط الغربي؛ فمحاولة عزل العراق عن محيطه عبر الضغوط الاقتصادية وسلاح الدولار باءت بالفشل أمام زحف الشارع الذي يرى في الوجود الأميركي بؤرة لتهديد سيادته وهويته. العراق اليوم يجد نفسه في عين الإعصار، ليس بوصفه ساحةً لتصفية الحسابات فحسب، بل بصفته شريكاً حقيقياً في الدم والمصير الدبلوماسية خادعة كورقة ابتزاز تأتي المعطيات لتكشف جانباً مظلماً من الكواليس؛ فالهجوم وقع في الوقت الذي كانت فيه قنوات التفاوض لا تزال مفتوحة، ما يثبت أن النهج الأميركي الحالي لا يؤمن بالعهود ولا بالمواثيق. هذا الغدر الدبلوماسي أسقط ورقة التوت عن "القانون الدولي" الذي بات يُستخدم غطاءً للعدوان. وفي عمق المشهد السياسي، تبرز خيوط خفية تربط بين اندفاع واشنطن نحو التصعيد وبين ملفات الابتزاز الشخصي التي تُدار في الغرف المظلمة، إذ تشير بعض القراءات إلى أن قرارات الحرب والسلم أصبحت رهينة لفضائح "وثائق إبستين" وضغوط الموساد الصهيوني على صناع القرار في البيت الأبيض. هذا الابتزاز يهدف لدفع المنطقة نحو حرب انتحارية تحمي أمن الكيان المأزوم وتغطي على فضائح نخب سياسية عالمية لم تعد تجد مهرباً سوى إشعال الحرائق الكبرى. تشير بعض القراءات إلى أنّ قرارات الحرب والسلم أصبحت رهينة لفضائح "وثائق إبستين" وضغوط الموساد الصهيوني على صناع القرار في البيت الأبيض أطماع الجوار ومخططات "تركيا الكبرى" لاستغلال التوترات بموازاة هذا الصراع، تبرز طموحات إقليمية تحاول اقتناص الفرصة في ظل حالة السيولة الأمنية. مشروع "تركيا الكبرى" يتحرك بصمت استراتيجي لاستعادة نفوذ تاريخي ممتد نحو الموصل وكركوك وحلب، مستغلاً كل ثغرة في السيادة الوطنية لتثبيت حقائق جديدة على الأرض. إن المخططين لهذه التوجهات يراهنون على تفتيت وحدة الموقف العراقي والسوري، وتمرير قضم الأراضي تحت غطاء حماية الأمن القومي. هذا التداخل في المصالح والأطماع يجعل المنطقة ساحة لصراع متعدّد الأطراف، إذ يختلط الطموح الاستعماري بالرغبة في الانتقام، ما يضع الشعوب أمام تحدٍ مصيري يتطلب وعياً استثنائياً لتجاوز فخ "العهر الطائفي" الذي يُراد منه تمزيق النسيج الاجتماعي من الداخل. فالمنطقة اليوم تقف على فوهة بركان، والرهان على أن الأمور ستبقى تحت السيطرة هو رهان ساذج. العراق والمنطقة بأسرها أمام لحظة الحقيقة: إما بناء جبهة داخلية صلبة ترفض التبعية وتواجه أطماع الجوار والابتزاز الدولي بعقلية "رجل الدولة"، أو الاستسلام لسيناريوهات التقسيم التي أصبحت جاهزة للتنفيذ. لأنّ دماء الشهداء اليوم تحولت إلى وقود لمحركات التوتر، والرسالة التي خرجت من ميادين طهران وبغداد كانت واضحة: إن قتل القادة لا ينهي النهج، بل يخلد المبادئ ويحولها إلى صرخة لا يمكن إسكاتها. ويمكن القول بأننا نعيش الفصل الأخير من حقبة التبعية، وما سيخرج من ركام هذه الحرب سيكون شرقاً أوسطياً جديداً، يصنعه أصحاب الأرض بدمائهم، بعيداً عن إملاءات واشنطن وغطرسة القوى الاستعمارية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية