حريق وضيق ومضيق
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إطلاق تصريحات متتالية يؤكّد فيها "هزيمة إيران وتدميرها بشكل كامل اقتصادياً وعسكرياً"، وأنه "سيجمع العالم على الوئام والأمن والسلام الدائم"، في وقت تتوسّع فيه دائرة الحرب، وتكاد تتحوّل إلى حرب عالمية رغم تردّد عدد كبير من زعماء العالم في الدخول فيها، لكن الإدارة الأميركية تريد توريط الجميع، بعد أن تورّطت مع إسرائيل في حربٍ غير محسوبة نتائجها. داخل الإدارة الأميركية ثمة من يبدي قلقه من التناقض في التصريحات، والتسرّع في الخطوات. وفي الكونغرس ومجلس الشيوخ أصوات تحذّر من "فقدان السيطرة على الحرب وسوء تقدير ترامب قدرة إيران على الردّ، والمنطقة مشتعلة"، بحسب السيناتور كريس مورفي. ويؤكّد السيناتور ريتشارد بلومنتال "الأهداف الأميركية لن تتحقّق من دون قوات برّية داخل إيران"، ولا اتفاق على هذه الخطوة داخل الإدارة، ويطلق مسؤولون عسكريون وأمنيون سابقون تحذيراتٍ من "الحرب غير المدروسة"، ويضجّ الإعلام الأميركي بانتقادات لا تتوقّف لتهوّر الرئيس و"استعجاله في إعلان هزيمة إيران"، مستندين إلى تقارير استخباراتية أميركية تشير إلى "تماسك القيادة الإيرانية إلى حدّ كبير وليست معرّضة للانهيار في وقت قريب". العرب واقعون في دائرة النار عاجزين عن فعل أيّ شيء فخرج مستشار ترامب لشؤون العملات المشفّرة والذكاء الاصطناعي ديفيد ساكس بتصريح يعلن فيه: "هذا هو الوقت المناسب لإعلان النصر والخروج من العمليات ضدّ إيران بعملية تفاوضية تؤدّي إلى خفض التصعيد. لم نقل إن أهدافنا تغيير النظام، واستمرار التصعيد من دون نتائج إيجابية قد يدفع الجميع إلى طريق مسدود". لذلك يجب التفكير في التهدئة وفتح باب التفاوض مع طهران لإنهاء الصراع. وحول تغيير النظام، فالمواقف التي صدرت من ترامب، نزولاً إلى مسؤولين ومساعدين له، كانت متناقضة، وبالتالي يحمل كلام ساكس دلالات كثيرة عن التخبّط والفوضى والضياع، الأمر الذي دفع ترامب إلى القول: "إن إيران تسعى لصفقة، ولا أرغب في إتمامها الآن لأن الشروط المطروحة ليست جيّدة بما فيه الكفاية". فردّت ابنة شقيقه: "إنه رجل أحمق وفاسد تسبّب بكارثة". هذا كله في مكان، وقضية مضيق هرمز في مكان آخر. هنا يمكن القول إن ترامب في ضيق أمام المضيق، وهرمز يرمز. أعلن وزير الطاقة في حكومة نتنياهو أن "السفن الأميركية سترافق السفن المحمّلة بالوقود لعبور المضيق"، ثم عاد وسحب تصريحه، وصدرت مواقف رسمية أميركية تقول: "لن تكون المرافقة ممكنة إلا بعد استقرار الوضع العسكري"، ما الموجب لها في مثل هذه الحالة؟ ثم دعا ترامب شخصياً الدول المعنية بنقل النفط عبر المضيق إلى المبادرة للعبور. فردّت اليابان؛ حليفة أميركا، بالقول: "نحن نقرّر ماذا نفعل ولا ننصاع لأوامر ترامب". هذا توريط طبعاً لتلك الدول التي بينها من تتعامل إيران معها إيجاباً، وأخرى تنتظر. وهذا فشل وفضيحة كبرى مع تفاقم أزمة ارتفاع أسعار النفط العالمية وتعرّض منطقة الخليج للقصف والتهديد بقصف المنشآت الأميركية في المنطقة، كما هدّدت إيران في حال استهداف منشآتها النفطية، وانعكاس ذلك كلّه على الوضع الاقتصادي المالي المعيشي في أميركا وغيرها، ما سيعرّض ترامب لمواجهات صعبة في ظلّ إصرار إيران على إبقاء مفاتيح هرمز في يديها. هي تتعامل مع الحرب على أساس أنها حرب مصيرية وجودية في وجه الشراكة الإسرائيلية – الأميركية التي لن تقف عند حدود إسقاط النظام، وصدمت إيران إسرائيل أيضاً بحجم ردّها عليها، فأحدثت دماراً كبيراً في الداخل الإسرائيلي وقلقاً، وأطلقت ذراعها اللبنانية (حزب الله) للعمل وفق خطّة معدّة سلفاً تقضي بإطلاق متزامن للصواريخ من لبنان وإيران ضدّ إسرائيل، التي ارتفعت فيها أصوات تطرح تساؤلات حول انكشاف الأجواء أمام الصواريخ الإيرانية النوعية التي وصلت إلى المناطق كلّها تقريباً، وحجم الدمار الذي خلّفته، والإصرار الإيراني على استكمال الحرب ورفض التفاوض ووقف إطلاق النار إلا بعد التعهّد "بدفع التعويضات اللازمة لها، وضمان عدم تجدّد الحرب وربط الاتفاق بلبنان"، بمعنى ألا يستفرد حزب الله فيه، فتتوقّف الحرب ضدّها وتستكمل ضدّه. أميركا ترامب تعتبر أنها دمّرت إيران اقتصادياً وعسكرياً كما ذكرنا. وإيران تهدّد بتوسيع دائرة الحرب واستهداف كلّ موقع في المنطقة تطلق منه النار ضدّها، أيّاً تكن نوعية الموقع. إذا استهدفت الكهرباء سيعمّ الظلام في المنطقة، وإذا استهدفت مياه التحلية فلن تكون مياه عذبة لدى أحد، وإذا ضربت المنشآت النفطية سيكون حريق شامل في المنطقة، وإذا استهدفت الكابلات البحرية فلن يبقى كابل يعمل. بدأ الإعلام الأميركي يتعرّض لضغوط وتهديدات بالعقوبات، بمعنى سحب تراخيص البثّ، كما أعلن المسؤول عنها في إدارة ترامب برندن كار، والتهمة "الخداع وتشويه الأخبار". وترامب يهاجم إعلاميين ومؤسّسات إعلامية ويحذّر المراسلين والمعلّقين، الذين سخر بعضهم من ترامب عندما سمعوا رئيس أوكرانيا فلوديمير زيلينسكي يقول: "اتصلت بنا أميركا عدّة مرّات للحصول على دعمنا في الشرق الأوسط". العرب واقعون في دائرة النار عاجزين عن فعل أيّ شيء. الكل يقول: "سنرّد في الوقت المناسب"، ولم يأتِ الوقت بعد. ويتناوبون على القول: "نؤيّد دولة بالإجراءات التي تتخذها لمواجهة العدوان الإيراني". هذا العدوان مستمرّ ولا إجراءات. هم في دائرة هذه اللعبة الكُبرى، ولا شيء مستغرباً هنا بسبب سوء التقدير والتدبير في إدارة شؤونهم وتقرير مصيرهم وحماية مصالحهم وثرواتهم، والأميركي لا يتردّد في الحديث علناً عن استهدافها وشهوته المفتوحة للاستيلاء على مال العرب: "هم أغنياء لديهم أموال هائلة"، كما يكرر ترامب. عندما استهدفت دولة قطر في نهاية الحرب السابقة بين إسرائيل وأميركا من جهة، وإيران من جهة ثانية، في يونيو/ حزيران الماضي، عُقدت قمّة عربية، وأكّد العرب تمسّكهم بمعاهدة الدفاع العربي المشترك وتفعيلها، وشُكّلت لجان لبحث وسائل الردّ. فلا معاهدة، ولا معاهدون ومتعهّدون، ولا شيء مشتركاً بينهم للأسف. والكارثة ستكون كبيرة. ثمّة فواتير هائلة ستدفع في الأسابيع والأشهر المقبلة ثمناً لهذه الحرب، والمنطقة مقبلة مع استمرارها على حريق شامل، وظلام كامل، وفق التهديدات المتبادلة المعلَنة. الذهنيات الحاكمة في الحرب الحالية مشحونة بتاريخ من الأفكار الدينية والعقائدية والإيمانية الحرب الحالية هي حرب الحروب: دينية، مذهبية، قومية، نفطية، مائية، ثروات معدنية، مصرفية، موانئ، اقتصادية، ممرّات ومضائق، حركة نقل، اتصالات فضائية وكابلات بحرية، بنى تحتية، ثقافية، حضارية. وقد أُصيبت صروح تاريخية تعود إلى آلاف السنين، والحبل على الجرّار. لسنا أمام حلول مرتقبة. ربما تكون تسويات مرحلية. الذهنيات الحاكمة هنا وهناك مشحونة بآلاف السنين من النظريات والأفكار الدينية والعقائدية والإيمانية التي لا تتزحزح. أصحابها يتصرّفون وكأنهم وكلاء الله على الأرض. يفعلون ما يفعلونه باسمه. هم مكلّفون إلهياً بإتمام رسالته، وتحت هذا العنوان يتم التكفير والقتل والإبادة والتهجير. لسنا أمام قادة كبار عرفناهم في الحروب العالمية التي كلّفت كثيراً، لكنهم تمكنوا من الوصول إلى تفاهمات وتسويات وتحالفات وتقاسمات وتوافقات. الموجودون الآن كلّ واحد "ملاك" وعلى الأرض الهلاك. أميركا تتصرّف على أساس أنها الأقوى في العالم، لا تهتز، قادرة على لملمة خسائرها واستيعابها. وإسرائيل تتصرّف على أنها الدولة الأقوى في المنطقة وستتوسّع. وإيران تتعامل معهما على أنها لن تُهزم. والعرب صواريخ فوق رؤوسهم، وغواصات في قعر بحارهم، وأعماق آبارهم مهدّدة، وثرواتهم مبدّدة، وحسابات مفتوحة للتصفية من اليمن إلى السودان والصومال وليبيا، ولا أحد يتحدّث عن غزّة واستباحة الضفة والتهديد الإسرائيلي المفتوح. إنها صورة سوداء سيكتب التاريخ عنها لاحقاً. لا يبدو أن ثمّة من يريد أن يتعلّم من ذلك كلّه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية