عربي
لا يظهر السجن في تونس مجرّد مؤسّسة عقابية تديرها الدولة، بل يتخذ مع الزمن مكانة أوسع في المخيال العام وفي اللغة السياسية والثقافية. يتجاوز حضوره الجدران والأسلاك ليصبح استعارةً تختصر علاقة معقّدة بين السلطة والمجتمع. لا يبقى السجن خلف الأسوار، بل يخرج إلى المجال العام بوصفه صورة مكثفة لفكرة العقاب التي تطبع علاقة الدولة بمواطنيها.
تفسّر التجربة السياسية الطويلة هذا الحضور العميق للسجن في الوعي التونسي. فقد صنعت عقود من الحكم السلطوي ذاكرة جماعية ارتبطت فيها الدولة بأجهزة القمع والملاحقة أكثر مما ارتبطت بمؤسّسات الوساطة السياسية. عاشت أجيال كاملة تجربة الاعتقال أو المطاردة أو السجن المباشر، وتحوّلت الزنزانة إلى جزءٍ من التاريخ الشخصي لعائلات كثيرة. ومع تراكم هذه التجارب، لم يعد السجن مجرّد حادثة استثنائية في حياة بعض المعارضين، بل أصبح جزءاً من السردية السياسية للمجتمع نفسه. ولكن السجن في تونس لا يرتبط فقط بإرث الاستبداد السياسي، بل يعكس أيضاً بنية السياسة الجنائية المعتمدة اليوم. تعتمد الدولة بدرجة كبيرة على العقوبة السجنية بوصفها الأداة الأساسية للعقاب، فيما يبقى استخدام العقوبات البديلة محدوداً أو هامشياً. ونتيجة ذلك، تتحوّل المؤسّسة السجنية إلى محور النظام العقابي، سواء في القضايا الجنائية العادية أو في الملفات ذات الطابع السياسي.
تكشف الأرقام الحديثة حجم هذا الواقع. تفيد بيانات World Prison Brief بأن عدد السجناء في تونس بلغ نحو 33 ألف سجين في مايو/ أيار 2025، أي بمعدل يقارب 267 سجيناً لكل مائة ألف نسمة. وتبلغ الطاقة الاستيعابية الرسمية للسجون حوالى 17 ألف مكان فقط، ما يعني أن نسبة الإشغال تجاوزت 190٪. وتوضح المعطيات المتوفرة أن أكثر من نصف السجناء تقريباً موقوفون احتياطيّاً، أي من دون صدور أحكام نهائية بحقهم.
لا يزال المجتمع التونسي يحاول فهم تجربته الطويلة مع السلطة
تعكس هذه الأرقام اعتماداً مكثفاً على السجن أداة لإدارة الجريمة والانحراف، في مقابل ضعفٍ واضحٍ في سياسات العقوبات البديلة وإعادة الإدماج الاجتماعي. فبدل تطوير منظومة واسعة من العقوبات غير السالبة للحرية، مثل العمل لفائدة المصلحة العامة أو برامج التأهيل الاجتماعي، يستمر السجن في لعب الدور المركزي داخل السياسة الجنائية. غير أن دلالة السجن في تونس لا تقف عند حدود القانون أو السياسة الجنائية، فالمؤسّسة السجنية، كما يوضح الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو في تحليله علاقة السلطة بالعقاب، لا تمثل مجرّد مكانٍ للعقوبة، بل تعكس شكل السلطة وطريقة إدارتها المجتمع. حين يصبح السجن الأداة الأكثر حضوراً في النظام العقابي، فإن ذلك يكشف تصوّراً للسلطة يقوم على الضبط والعقاب أكثر مما يقوم على الإصلاح والتنظيم الاجتماعي.
ينعكس هذا المعنى أيضاً في الثقافة الشعبية. تستعيد الدراما التونسية باستمرار صورة الزنزانة أو قصة السجين، حتى لا يكاد يخلو عمل تلفزيوني من هذا الفضاء. لا يظهر السجن هنا مجرّد عنصر درامي، بل يتحوّل إلى رمزٍ مكثف لعلاقة السلطة بالمجتمع، وإلى طريقةٍ سرديةٍ يستعيد من خلالها المجتمع ذاكرته مع الدولة.
لا يمكن النظر إلى السجن في تونس مجرّد مؤسّسة إدارية أو قانونية
يتكرّر الحضور نفسه في موسيقى الراب التونسية التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم أشكال التعبير الثقافي لدى الشباب. تستعيد أغاني الراب مفردات الحبس والقيود والزنزانة بشكل متكرر، وتحوّل السجن إلى جزء من قاموسها الفني. في أحيانٍ كثيرة، لا تشير هذه الكلمات إلى تجربة قضائية فعلية، بقدر ما تعبر عن شعور عام بالحصار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وتكشف هذه الاستعارة المتكررة عن معنى أعمق، فالسجن في المخيال التونسي لم يعد مجرّد مؤسّسة قانونية، بل أصبح صورة رمزية عن مجتمع يشعر فيه كثيرون بأنهم يعيشون داخل حدود غير مرئية. تضيق هذه الحدود أحياناً في شكل بطالة طويلة أو انسداد اقتصادي أو سلطة تميل إلى العقاب بدل الإصلاح. وتعكس هذه الظاهرة توتّراً مستمرّاً في علاقة المجتمع بالدولة. فعندما تتحوّل الزنزانة إلى مفردة حاضرة في الأغنية والدراما والحديث اليومي، فذلك يدلّ على أن فكرة العقاب أصبحت جزءاً من تصور الناس طبيعة السلطة. لا تظهر الدولة هنا إطاراً للتنظيم الاجتماعي فقط، بل مؤسسة تمتلك القدرة على الحبس والردع. ولهذا لا يمكن النظر إلى السجن في تونس مجرّد مؤسّسة إدارية أو قانونية. يتحوّل إلى مرآة تكشف شكل السلطة وحدود السياسة الجنائية في البلاد، وتكشف، في الوقت نفسه، عن عمق الأزمة في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
يبقى حضور الزنزانة في الثقافة واللغة اليومية علامة على أن المجتمع التونسي لا يزال يحاول فهم تجربته الطويلة مع السلطة. وبينما تتغيّر الأنظمة والسياسات، يظل السجن حاضراً في الذاكرة الجماعية، وفي التعبير الفني رمزاً لعلاقة لم تُحسم بعد بين الحرية والعقاب، واستعارة تختصر قصة طويلة مع الدولة.
