عربي
عندما قال وزير الدفاع الأفغاني المُلا محمد يعقوب مجاهد، في حوار له مع قناة طلوع المحلية، بـ8 مارس/ آذار الحالي، إن الهجوم على العاصمة الأفغانية كابول، سيُقابله هجوم على إسلام أباد، وإن كابول إذا لم تكن آمنة فإسلام أباد لن تكون آمنة، تساءل كثيرون في باكستان عن كيفية استهداف أفغانستان للعاصمة الباكستانية. سَخِر البعض من تلك التصريحات، وآخرون عدّوها مجرد تهديد لا يمكن ترجمته على الأرض. لكن مساء أول من أمس الجمعة (13 مارس)، دخلت ثلاث مسيّرات مجهولة أجواء إسلام أباد، وسقطت في منطقة حسّاسة بين العاصمة الباكستانية ومدينة روالبندي، ما أدى إلى تعطل الطيران من مطار العاصمة الباكستانية وإليه لساعات. لاحقاً، أعلنت الداخلية الباكستانية أن الدفاعات الجوية أسقطت المسيّرات التي دخلت أجواء إسلام أباد من دون وقوع خسائر، لكن شهوداً عيان وإعلاميين، أكدوا أن مسيّرتين على الأقل أصابتا الهدف بدقة، وسقطتا في ضاحية أي ناين ومنطقة فيض أباد، القريبتين من مقر قيادة الجيش والواقعتين إلى جانب قاعدة حمزة العسكرية. كما نشر رواد التواصل الاجتماعي صوراً ومشاهد للحظة استهداف إسلام أباد وإصابة المسيّرات مباني عدة، وتصاعد أعمدة الدخان منها. كما تحدث بعض الشهود العيان في تلك المشاهد عن نقل قتلى وجرحى. علماً أن الجيش الباكستاني، بحسب وكالة فرانس برس، أقرّ بأن حطام الطائرات المسيّرة التي أُسقطت الجمعة، تسبب في إصابة طفلين في كويتا جنوب غربي البلاد، فضلاً عن جرح مدني واحد في كل من كوهات جنوبي بيشاور شمال غربي البلاد، وراولبندي.
محمد شاهد خان: أيادي أفغانستان قادرة على الوصول إلى كل المدن الباكستانية
استهداف إسلام أباد "خطٌّ أحمر"
وأوضح العسكري الباكستاني المتقاعد عادل راجه الذي يعيش في المنفى، وقد طلب الجيش الباكستاني من الشرطة الدولية إحضاره إلى باكستان، أن المسيّرات أصابت الهدف ولم تُسقط، معتبراً ما قالته الحكومة الباكستانية والجيش حول استهداف إسلام أباد غير صحيح، ومؤكداً أن تلك المسيّرات صناعة محلية لحركة طالبان الأفغانية، وعادّاً ذلك "ناقوس خطر".
واعتبر الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، أمس السبت، أن طالبان الأفغانية "تجاوزت الخط الأحمر" بإطلاقها ما وصفها الجيش الباكستاني بأنها "مسيّرات بدائية" ضد أهداف مدنية في باكستان. وفي منشور على "إكس"، أفاد مكتب زرداري بأنه "يدين بشدة الهجمات بالطائرات المسيّرة على المناطق المدنية الباكستانية"، مضيفاً "لن تتسامح باكستان مع استهداف مدنييها، يجب ألا تُستخدم الأراضي الأفغانية في أعمال إرهابية ضد جيرانها. ستدافع باكستان عن شعبها". وأوضح الجيش من جهته أن "حركة طالبان الأفغانية أطلقت عدداً قليلاً من الطائرات المسيّرة البدائية لمضايقة الشعب الباكستاني الشجاع".
وتعليقاً على هذه التطورات، رأى المحلّل الأمني الباكستاني محمد شاهد خان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن استهداف إسلام أباد بالمسيّرات وإصابتها قرب مقر قيادة الجيش يشكّل خطراً كبيراً، لا سيما أنها خلّفت دماراً، ما يعني أن أيادي أفغانستان قادرة على الوصول إلى كل المدن الباكستانية، ومعلوم أن الأفغان لن يترددوا ولو لحظة واحدة في استهداف كل ما يمكنهم استهدافه. وأشار شاهد خان إلى أن كل تقديرات صنّاع القرار في باكستان خاطئة، ومنها "أن طالبان الأفغانية منا، وأن سيطرتها على أفغانستان بمثابة سيطرة الجيش الباكستاني"، مذكّراً بـ"توزيع كبار المسؤولين في البلاد الحلويات فرحاً بسيطرة طالبان الأفغانية على كابول (2021)، ولكنهم لاحقاً أدركوا أن الحركة الأفغانية تريد العمل بشكل مستقل، ثم بدأت إسلام أباد تطلب من كابول أموراً غير واقعية، مثل عدم الارتباط بالهند، وتسليم قادة طالبان الباكستانية إليها، والاعتراف بخط ديورند (الحدودي)، وكلّها أمور غير واقعية".
وأضاف شاهد خان: "الجيش الباكستاني بدأ يضرب كابول"، متسائلاً "ماذا ستفعل بالتالي طالبان الأفغانية؟ ضربت بعض الصواريخ على الحدود ومهاجمة النقاط الحدودية، لكن مع استمرار الهجمات الباكستانية على أفغانستان، تعرضت سمعة حكومة طالبان لضرر، بينما لم تخسر باكستان شيئاً". وتابع: "لكن الآن وصلت المسيّرات إلى إسلام أباد، وقُصف العديد من القواعد العسكرية شمال غربي البلاد، بعض الضربات في استهداف إسلام أباد كانت حسّاسة جداً، كاستهداف قاعدة كوهات التي أصابتها ثلاث مسيّرات ونُقل منها عددٌ من الجرحى بعدما أضرم القصف النيران في محيطها، وتلك القاعدة تخطط وتراقب كل أعمال الجيش على الحدود مع أفغانستان". ولفت إلى أن "ما حصل كان بالتزامن مع تهديد باستهداف المدن الباكستانية الأخرى كلاهور وكراتشي". وأضاف: "الآن بات صنّاع القرار في باكستان بعد استهداف إسلام أباد يرون أن هذه الحرب خاسرة، وهي حرب لا يتحملها الجيش الباكستاني، ولا الاقتصاد الهشّ في البلاد، وضررها سيكون أكثر بكثير من نفعها".
لم تكتف أفغانستان بحرب المسيّرات وتوجيهها نحو مدن باكستانية (إسلام أباد، كوهات، إيبت أباد، نوشهره وصوابي)، بل شنّت أيضاً هجوماً برّياً كبيراً ضد القوات الحدودية الباكستانية على امتداد ولاية ننغرهار شرقي أفغانستان، وتحديداً منفذ طورخم وما حوله من المناطق، وكذلك ولاية بكتيا وخوست في الجنوب، وكانت تلك الجبهات مشتعلة منذ مساء الجمعة حتى صباح أمس السبت. كذلك شهدت الجبهة الداخلية في باكستان تفجيرات وهجمات على مراكز أمنية، حيث قتل في مدينة لكي مروت (التابعة لإقليم خيبر بختونخوا)، ستة من رجال الأمن بينهم ضابط برتبة عميد، إثر انفجار عبوة ناسفة مزروعة على جانب الطريق، كما تعرضت ثلاثة مراكز للشرطة لهجوم مسلّح استمر ساعات خلال ليل الجمعة شمال غربي باكستان. علاوة على ذلك، نفّذت الشرطة في منطقة لكي مروت إضراباً عن العمل عقب تكثيف الهجمات عليها، مطالبةً بحقوقها ومؤكدة أن ما تقوم به من خوض المعارك وشنّ العمليات ضد المسلحين ليست من مسؤولياتها، بل مسؤوليتها الحفاظ على الأمن العام وليس المشاركة في الحرب.
مسعود خان سدوزاي: الحرب مع أفغانستان أميركية وتعهد قائد الجيش عاصم منير لترامب بشأنها
في هذا الشأن، قال المحلّل الأمني الباكستاني مسعود خان سدوزاي، وهو متقاعد من الشرطة، لـ"العربي الجديد"، إن المشكلة في باكستان هي أن قرارات البلاد ممسوكة من العسكر، وهؤلاء يعملون بحسب ما تُملي عليهم الولايات المتحدة، لأنها مصدر تمويلهم. وأضاف: "الآن هذه الحرب مع أفغانستان ليست حربنا أبداً، بل هي حرب أميركية تعهد قائد الجيش المشير عاصم منير للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأنها بأنه سيقوم بأحد أمرين: إما يمكّن الولايات المتحدة من السيطرة على قاعدة باغرام في أفغانستان مجدداً أو القضاء على ما تركته القوات الأميركية من السلاح وراءها (بعد الانسحاب من أفغانستان في 2021). وأكد: "طالبان الباكستانية موجودة في بيشاور وفي خيبر وفي بنو، وهي بعيدة أكثر من 300 كيلومتر من الحدود الأفغانية، هؤلاء أبناء القبائل يعيشون في منازلهم وديارهم، ووجودهم هو نتيجة سياسات الجيش والإخفاء القسري لآلاف من أبناء هذه المنطقة، والقصف الهمجي، والعمليات الجوية الليلية، بالتالي لو كانوا في أفغانستان كيف يعبرون هذه المسافة الكبيرة وبلادنا تفتخر بجيشها واستخباراتها، كيف يمكن لمئات المسلحين وأطنان المتفجرات أن تصل إلى تلك المدن وينفذوا فيها العمليات؟".
واعتبر المحلّل الأمني أنه "بعد استهداف إسلام أباد مع وجود خطر على مدن أخرى في العمق الباكستاني، سوف نرى أن الجيش الباكستاني سيعلن وقفاً لإطلاق النار وسيبرم مصالحة مع الحكومة الأفغانية بشروط الأخيرة وليس بشروطه، لأن الخطر أصبح موجهاً إلى إسلام أباد والمدن الرئيسية، بينما عندما اندلعت المعارك على الحدود كان أبناء قبائل البشتون يقتلون من الطرفين، وهذه كانت الخطة، أن تقع الحرب في تلك المنطقة ليكون المستفيد الجيش الباكستاني وجنرالاته الذين معظمهم من إقليم البنجاب والسند".
وفي حين أكد وزير الإعلام الباكستاني عطاء تارر، في بيان، أن الطائرات الحربية الباكستانية استهدفت مساء الخميس الماضي مواقع للمسلحين من طالبان الباكستانية في كابول وبمناطق أفغانية أخرى، ما أدى إلى مقتل وإصابة العديد منهم، قالت البعثة الأممية في أفغانستان "يوناما" إن الغارة الجوية على كابول، أدّت إلى مقتل أربعة مواطنين وإصابة 14 آخرين. وكانت البعثة أكدت سابقاً أن غارات جوية باكستانية أدّت إلى مقتل مدنيين في شرق وجنوب أفغانستان.
وتؤيد التقارير الأممية موقف حكومة طالبان الأفغانية من أن ضحايا الغارات الجوية الباكستانية هم مدنيون، وأن ما تقوله باكستان غير صحيح. وقال الزعيم القبلي فريد الله زميدار، لـ"العربي الجديد"، إن "موقف الجيش والحكومة الباكستانية غير مقبول، فسلاح الجو الباكستاني يقتل المدنيين، ثم يأتي ليقول لنا: قتلنا طالبان الباكستانية واستهدفنا قياداتها". وتابع: "السؤال هو من قُتل من قادة طالبان الباكستانية في تلك الغارات، أعطونا الأسماء والدلائل؟ أكيد لا توجد، بالتالي هذه ذريعة يختلقها الجيش الباكستاني"، مشدّداً على أن "المواطنين الباكستانيين والأفغان هم وحدهم ضحايا هذه الحرب لمصلحة قوى عالمية".

أخبار ذات صلة.
غناء الذكاء الاصطناعي على طبول الحرب
العربي الجديد
منذ 23 دقيقة