عربي
على الرغم من حالة الانشغال الإسرائيلي في مجريات الحرب مع إيران ولبنان، إلا أنه كثف خلال الأيام الاخيرة من وتيرة القصف وعمليات الاغتيال والقتل التي طاولت فلسطينيين في قطاع غزة أو كوادر من المقاومة. ولا يكاد يمر يوم من دون أن ينفذ الاحتلال عمليات قصف بالطيران الحربي أو المسير داخل القطاع، من دون وجود أحداث أمنية يبرر من خلالها أسباب هذه العمليات كما كان يحصل قبل اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير/شباط الماضي. وأول من أمس الجمعة، استشهد خمسة فلسطينيين في حادثين منفصلين، أحدهما استهداف اسرائيلي لحاجز شرطة في خانيونس أسفر عن استشهاد شخصين، فيما استشهد الثلاثة في حي الشجاعية بقصف من الطيران المسير. والأربعاء الماضي، استشهد فلسطيني إثر قصفه خلال عمله غربي مدينة غزة على يد الطيران الإسرائيلي، ولاحقاً قصف الاحتلال مراكز شرطية في مهبط أنصار، قرب مقر السفارة القطرية غرباً. والثلاثاء الماضي، قصف الاحتلال الإسرائيلي فلسطينياً عبر الطائرات المسيرة في حي الزيتون، إضافة لقصف أرض فارغة ونقطة شحن كهرباء في منطقة الشيخ عجلين، غربي مدينة غزة. والاثنين الماضي، قصف الاحتلال منزلاً في الزوايدة وسط القطاع، ما تسبب في استشهاد فلسطيني وإصابة عدد آخر، وقبل ذلك اغتال الاحتلال شاباً وسط مدينة خانيونس.
وسام عفيفة: يتراجع حضور ملف غزة على جدول الأولويات الدولية
السلوك الإسرائيلي في غزة
وبات السلوك الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة، يقوم على وتيرة القصف المباشر من دون تحذير مسبق وتعمّد إيقاع خسائر بشرية في صفوف الفلسطينيين، ثم ما يلبث أن يصدر بيانات بأن المستهدفين كانوا يخططون لتنفيذ عمليات ضد قوات الجيش. وبحسب مصادر طبية فإنه ومنذ بداية شهر رمضان، في 18 فبراير/شباط الماضي، استشهد 47 فلسطينياً نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية. وفي وقت سابق، قال المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم لـ"العربي الجديد"، إن الاحتلال الإسرائيلي يستغل انشغال المنطقة بالحرب على إيران من أجل فرض وقائع جديدة على الأرض في قطاع غزة، عبر توسيع عمليات القصف والقتل والاغتيالات يومياً. وذكر قاسم أن القصف الإسرائيلي مستمر على امتداد قطاع غزة، بالتوازي مع تشديد القيود على دخول المساعدات الإنسانية وإغلاق المعابر، وفي مقدمتها معبر رفح، معتبراً أن هذه السياسات تندرج ضمن محاولة إسرائيلية لتغيير المعادلات الميدانية من خلال تكثيف عمليات القتل والاغتيال و"هندسة التجويع" بحق سكان القطاع.
في الأثناء، قال المحلل السياسي وسام عفيفة، إن التصعيد الإسرائيلي الأخير في قطاع غزة لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران، مشيراً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أن انشغال المجتمع الدولي بهذه المواجهة الواسعة، منح حكومة الاحتلال هامشاً أكبر للتحرك عسكرياً في القطاع، من دون التعرض لضغوط سياسية أو إعلامية كبيرة. وأوضح عفيفة أن تحوّل بوصلة الاهتمام الدولي نحو صراع إقليمي أوسع، يؤدي عملياً إلى تراجع حضور ملف غزة على جدول الأولويات الدولية، وهو ما قد يفسر استمرار عمليات القصف الإسرائيلي رغم غياب مبررات عسكرية واضحة، واستمرار الغارات على مناطق مختلفة في القطاع. وأضاف أن الاحتلال يسعى، في هذا السياق، إلى تثبيت واقع ميداني وسياسي جديد في غزة، يقوم على إدارة حالة من الضغط العسكري المستمر منخفض الوتيرة، بما يمنع عودة الاستقرار الكامل في القطاع ويُبقيه في حالة استنزاف دائم.
ولفت عفيفة إلى أن هذا السلوك قد يهدف أيضاً إلى تأجيل الاستحقاقات المرتبطة بملف وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، وإعادة طرح مستقبل قطاع غزة من زاوية الترتيبات الأمنية وملف سلاح المقاومة، مبيناً أن التقديرات تدور حول ثلاث مسارات رئيسية. ووفقاً لعفيفة فإن هذه المسارات تتمثل في استمرار الوضع القائم حالياً، أي تنفيذ ضربات إسرائيلية محدودة ومتقطعة داخل غزة مع تجميد المسار السياسي المتعلق بوقف إطلاق النار، أما المسار الثاني، فيقوم على احتمال توسيع العمليات العسكرية في القطاع إذا رأت إسرائيل أن انشغال الإقليم والعالم بالحرب مع إيران يوفر فرصة لتغيير الوقائع الميدانية وفرض معادلات جديدة على الأرض. في حين يتمثل السيناريو الثالث في عودة ملف غزة إلى الواجهة الدولية بعد هدوء الجبهة المرتبطة بالحرب مع إيران، لكن ضمن مقاربة مختلفة تركز على ترتيبات ما بعد الحرب في القطاع، بما يشمل ملفات إعادة الإعمار والإدارة المدنية والترتيبات الأمنية. ومنذ اندلاع الحرب مع إيران واشتعال الجبهة اللبنانية، أغلق الاحتلال المعابر الحدودية مع القطاع وفتح بشكل محدود معبر كرم أبو سالم التجاري، وأبقى على معبر رفح البري مغلقاً أمام حركة المسافرين المحدودة أصلاً منذ فتحه.
علاء الريماوي: إسرائيل تسعى إلى تحويل ساحات إقليمية إلى بيئات مفتوحة لسلوكها العسكري
معادلة إسرائيلية على عدة جبهات
بدوره، اعتبر المتخصص في الشأن الإسرائيلي علاء الريماوي، أن إسرائيل تسعى إلى تحويل عدد من الساحات الإقليمية، من بينها لبنان وقطاع غزة والأراضي السورية، وحتى العراق واليمن، إلى بيئات مفتوحة لسلوكها العسكري، بحيث تبقي قدرتها على التدخل والضرب قائمة دائماً، حتى في الحالات التي لا تفرض فيها الضرورات الأمنية تحركاً مباشراً. وقال الريماوي في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إن هذا التوجه يقوم على فرض معادلة تقوم على إبقاء صورة الاشتباك قائمة ومستمرة، من خلال إدامة عمليات الاستهداف في مختلف مناطق الاحتكاك مع إسرائيل.
ولفت الريماوي إلى أن قطاع غزة يُعد من أبرز هذه الساحات، إذ ترى إسرائيل، وفق تشخيصها لأخطاء المرحلة التي سبقت الحرب الأخيرة على القطاع، أن السماح بوجود بيئة آمنة ومستقرة في أي من مناطق الاشتباك، قد يمنح خصومها فرصة لتعزيز قدراتهم باتجاه مواجهة إسرائيل. وأضاف أن "هذا التصور دفع إسرائيل إلى تبنّي سياسة تقوم على ديمومة الاستهداف وإبقاء الجبهات في حالة سيولة أمنية، بما يخدم تفوقها العسكري والأمني"، مشيراً إلى أنه وفي هذا الإطار يواصل تنفيذ عمليات القصف والاغتيال والتوغلات المحدودة، في إطار نمط عملياتي تسعى من خلاله إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة. واعتبر أن ما جرى منذ التفاهمات المرتبطة بوقف إطلاق النار في غزة، وكذلك التفاهمات التي رافقت وقف إطلاق النار مع لبنان، وحتى الترتيبات الأمنية المتعلقة بسورية، يعكس هذا التوجه، إذ استمرت إسرائيل في تنفيذ عمليات توغل وقصف رغم تلك التفاهمات. وبشأن مستقبل السلوك الإسرائيلي، رجح الريماوي استمرار هذا النهج خلال المرحلة المقبلة، ما لم تُفرض معادلة ردع جديدة تقيّد حركة إسرائيل وتفرض قواعد اشتباك أكثر ثباتاً، لافتاً إلى أن المشهد في لبنان قد يتجه نحو نوع من إعادة ترميم العلاقة الأمنية غير المباشرة على قاعدة "الانضباط المتبادل" إذ تدرك إسرائيل أن أي تجاوز واسع قد يقود إلى توتر كبير.
