عربي
للمرة الثانية في أربع سنوات، يتوجه الكازاخستانيون، اليوم الأحد، إلى صناديق الاقتراع للاستفتاء على تعديلات دستورية في كازاخستان تشمل أكثر من 80% من مواد الدستور الذي اعتمد في 2022، بعد إطاحة الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف. وتتضمن التعديلات الأساسية الانتقال إلى نظام برلماني بمجلس واحد، وإلغاء مجلس الشيوخ، وتكريس أولوية الدستور الكازاخستاني على المعاهدات الدولية. وفيما يدور جدل حول السرعة في كتابة البنود الجديدة، وصلاحيات الرئيس بمقتضى الدستور المقترح، تطرح تساؤلات فيما إذا كان الهدف الأساسي من التعديلات إيجاد مخرج لـ"تصفير عداد الرئاسة"، ومنح الرئيس الحالي قاسم جومارت توكاييف الإمكانية للبقاء في السلطة بعد انتهاء فترته الرئاسية الحالية والأخيرة، في عام 2029، بموجب الدستور الحالي. وفي حين قلل سياسيون وخبراء من تعديلات تخص وضع اللغة الروسية لغةً رسمية في كازاخستان، فإن المقترحات الجديدة استدعت انتقادات حادة من برلمانيين وخبراء روس، خصوصاً أنها جاءت على خلفية أزمات متواصلة في علاقات البلدين على خلفية الحرب الروسية على أوكرانيا. وسعى توكاييف إلى حسم الجدل بشأن موضوع اللغة، وقال في 11 مارس/آذار الحالي، إن الانتقادات بشأن وضع اللغة الروسية ليست في محلها، وزاد "حقيقة نشر نسخة الدستور الجديد باللغتين الكازاخستانية والروسية، وبنفس القوة القانونية يعني الكثير".
كازاخستان والدرب إلى الديمقراطية
وكان توكاييف قد كشف للمرة الأولى عن نيته اقتراح تعديل الدستور في خطاب أمام البرلمان في الثامن من سبتمبر/أيلول الماضي، مشيراً إلى أن "الإصلاح الدستوري يُعدّ استمراراً منطقياً لجهود كازاخستان الأوسع في التحديث والديمقراطية". كما أعلن أنه لن يترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، المقررة في عام 2029، مؤكداً التزامه بالتجديد السياسي والتحول المؤسسي. وأكد توكاييف أن اعتماد التعديلات سيوفر "دفعة قوية لتنمية كازاخستان، وسيسهل تحقيق إمكانات كل مواطن"، مشيراً إلى أن "نظرة شاملة على الإصلاحات السياسية في السنوات الأخيرة تُظهر أن كازاخستان تتخلى أخيراً عن النظام الرئاسي التسلطي (القوي والفردي)، وتنتقل إلى جمهورية رئاسية ذات برلمان ذي مصداقية ونفوذ".
اللجنة الدستورية أعادت كتابة 77 مادة أي قرابة 84% من الدستور
ورغم أن توكاييف شدّد على أن التعديلات المقترحة "يجب أن تكون موضوع نقاش عام واسع النطاق يضم المجتمع المدني والخبراء والمشرعين، ومن المتوقع أن تستمر المناقشات لمدة عام على الأقل قبل الاستفتاء"، فإن الأمور تسارعت كثيراً. وبدأت اللجنة الدستورية المكلفة بصياغة الدستور في 20 يناير/ كانون الثاني الماضي، وفي 11 فبراير/شباط الماضي سلمت الرئيس النسخة النهائية من التعديلات، وفي اليوم ذاته حدد توكاييف منتصف الشهر الحالي موعداً للاستفتاء. وحسب التقارير فإن اللجنة الدستورية أعادت كتابة 77 مادة أي قرابة 84% من الدستور، بعدما كان مقرراً تعديل 40 مادة فقط، من أصل 99 مادة في الدستور. وحسب النسخة المقترحة باللغة الروسية التي اطلعت عليها "العربي الجديد" فإن أبرز التعديلات تتضمن:
• إنشاء برلمان من غرفة واحدة تُسمى "كورولتاي" وهو مصطلح تاريخي متجذر في التقاليد التركية والمغولية، لتحل محل البرلمان ذي الغرفتين. وسيُخفض عدد النواب من 148 نائباَ إلى 145، كما تلغي الخطة نظام الحصص للنواب المعينين.
• استعادة منصب نائب الرئيس، الذي كان قائماً في كازاخستان حتى عام 1996. وسيُعيّن الرئيس نائبَه بموافقة "كورولتاي". وفي حال مغادرة الرئيس منصبه قبل انتهاء ولايته، يتولى نائب الرئيس الخلافة ويجب عليه الدعوة إلى انتخابات جديدة خلال شهرين.
• توسيع قائمة كبار المسؤولين الذين يعيّنهم الرئيس بما لا يقل عن الضعف. وإذا رفض "كورولتاي" الموافقة على التعيينات مرتين، يحق للرئيس حل البرلمان.
• إنشاء هيئة استشارية جديدة تابعة للدولة تُسمى "مجلس الشعب". تجتمع مرة واحدة على الأقل سنوياً، مع صلاحية تقديم مشاريع قوانين إلى "كورولتاي" واقتراح إجراء استفتاءات. وبموجب الخطة، سيقوم الرئيس بتعيين أعضاء المجلس.
• إدخال قيود جديدة على حرية التعبير، تنص على أن الخطاب يجب ألا "يمس شرف وكرامة الآخرين، أو صحة المواطنين، أو الأخلاق العامة، وألا ينتهك النظام العام".
• لن تتمتع المعاهدات الدولية التي صادقت عليها كازاخستان بالأولوية التلقائية على القوانين المحلية للبلاد.
• تعريف الزواج بأنه اتحاد بين رجل واحد وامرأة واحدة.
وعلى عكس الهدف المعلن، رأت منظمات حقوقية، أن التعديلات تقوي السلطة الرئاسية. وفي معرض تعليقه على المسودة الجديدة، قدّم المكتب الكازاخستاني الدولي لحقوق الإنسان ومركز الإعلام القانوني للسلطات الكازاخستانية اقتراحات وانتقادات للتعديلات الدستورية المقترحة. وأشار إلى أنها ستوسع صلاحيات الرئيس وتضعف أجهزة الدولة الأخرى. وقال رئيس المكتب يفغيني جوفتيس، إن مسودة الدستور الجديد، أكثر "استبداداً وسلطوية". وأوضح جوفتيس في تصريحات صحافية، في 11 فبراير الماضي، إنه "حالياً، يتطلب تعيين رئيس المحكمة الدستورية موافقة البرلمان، ويقتصر دور الرئيس على طرح المرشحين. أما مسودة الدستور الجديد فتلغي شرط موافقة البرلمان على هذا المنصب وعدد من المناصب الأخرى، ما يعني أن التعيين يتم من قبل الرئيس. وفي الحالات التي تتطلب موافقة البرلمان، على سبيل المثال، لمنصب رئيس الوزراء أو قاضي المحكمة الدستورية، إذا لم يوافق النواب مرتين، يحق للرئيس حل البرلمان". وأشار المكتب، في بيان على موقعه الإلكتروني، إلى أن التعديلات تقلص صلاحيات النواب وأن البرلمان "سيفقد صلاحية رفع الحصانة عن المدعي العام، ورئيس المحكمة العليا، ومفوض حقوق الإنسان. إضافةً إلى ذلك، يُلغي الإصدار الجديد من الدستور البند الذي يُخوّل نواب البرلمان الموافقة على الميزانية الوطنية وإجراء التعديلات والإضافات عليها".
وأثار التغيير المقترح بشأن استخدام اللغة الروسية أكبر قدر من الجدل في كازاخستان وروسيا. وينصّ الدستور الحالي، في مادته السابعة، على أن اللغة الروسية تُستخدم رسمياً إلى جانب اللغة الكازاخستانية في المؤسسات الحكومية والهيئات المحلية. وفي مسودة الدستور الجديد، استُبدلت عبارة "على قدم المساواة" بعبارة "إلى جانب". ومن المؤكد أن "إلى جانب" تعد صياغة مخففة من "على قدم المساواة"، ولكن عملياً أوضح حقوقيون أن الصياغة توجب على الهيئات الحكومية مجبرة على الرد باللغة الروسية في حال تقدم أي طلب أو شكوى بالروسية.
أثار التغيير المقترح بشأن استخدام اللغة الروسية أكبر قدر من الجدل
ويبلغ عدد سكان كازاخستان نحو 20 مليون نسمة. ووفقاً لبيانات 2021، يعرّف 2.98 مليون مواطن أنفسهم بأنهم روس، فيما يعتبر 2.85 مليون اللغة الروسية لغتهم الأم. ومن بين الروس، أفاد 2.1 مليون بعدم تحدثهم اللغة الرسمية، الكازاخستانية. وأوضح باخيت نورموخانوف، نائب رئيس المحكمة الدستورية وعضو لجنة الإصلاح الدستوري، في التاسع من فبراير الماضي، أن القرار اتُخذ من أجل "التوحيد المصطلحي والدلالي". ووفقاً لموقع "سبوتنيك كازاخستان"، فإن الوضع الرسمي للغة الروسية لا يتغير: إذ ستبقى لغة التواصل بين الأعراق في كازاخستان وثاني أكثر اللغات انتشاراً في أنحاء البلاد. في المقابل، أثار التعديل المقترح انتقادات من شخصيات موالية للكرملين. وقال نائب مجلس الدوما كونستانتين زاتولين، الشهر الماضي: "هناك فرق كبير بين على قدم المساواة، وإلى جانب". وقال البرلماني الروسي، فيكتور فودولاتسكي، إن التغيير سيسمح لمسؤولي كازاخستان باختيار ما إذا كانوا سيستخدمون الروسية.
اللغة الروسية في كازاخستان
وتعد مسألة اللغة الروسية من المحرمات بالنسبة لقيادة كازاخستان. ويعزى صمت الدولة إلى مخاوف من انقسام داخلي، وإلى ضرورة استراتيجية لتجنب استفزاز "القوميين" الروس. وقال النائب الكازاخستاني إرمورات بابي، "يتعين على البلاد أن تتحرك بحذر لتجنب كارثة"، مشيراً إلى أن كازاخستان ليست في موقع يتيح لها التقليل من شأن "قوة المتغطرسين والحاقدين". وعملياً، لا تشكل اللغة الروسية تهديداً للكازاخستانية، التي تنمو بشكل طبيعي. وتغيرت كازاخستان ديمغرافياً وثقافياً بشكل ملحوظ مقارنة ببداية تسعينيات القرن الماضي حين استقلت عن الاتحاد السوفييتي البائد. وينظر الجيل الجديد من المواطنين الشباب إلى الكازاخستانية بوصفها لغته الأم. ومع إقدام مزيد من الشباب على تعلم الإنكليزية أو الفرنسية أو الصينية، كلغة ثانية فإن أهمية الروسية تتراجع رغم أنها حاضرة في شكل غير مباشر في الحياة اليومية.
من الواضح أن الدستور المقترح، يعزز سلطة توكاييف قبل أي انتقال سياسي جديد. ويحق لتوكاييف بمقتضى تعديلات دستورية اقترحها بذاته بعد احتجاجات واسعة النطاق مطلع 2022، على البقاء في المنصب لفترة واحدة لمدة سبع سنين. وتنتهي ولاية توكاييف في 2029. ونظرياً، يمنح الدستور الجديد، توكاييف وسيلتين للالتفاف على خروجه في حال قرر البقاء، الأولى "تصفير عداد الرئاسة"، والترشح مرة أخرى بمقتضى الدستور الجديد في 2029 أو انتخابات مبكرة. وتكمن الوسيلة الثانية في الانتقال إلى منصب نائب الرئيس مع بقاء الأمور بيده كما فعل بوتين في 2008 حين انتقل إلى منصب رئيس الحكومة حتى 2012.
