تفقّد منازل الضاحية الجنوبية... "مهنة" فرضتها ظروف الحرب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
"عدم معرفة مصير منزلك أصعب من فقدانه". بهذه العبارة يختصر محمد إبراهيم شعور آلاف النازحين في لبنان الذين تركوا بيوتهم تحت القصف الإسرائيلي، وتركوا معها جزءاً من حياتهم معلّقاً بين الشكّ والخوف. منذ تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان مطلع مارس/ آذار الجاري، كان محمد، وهو شاب في العشرينيات، يتوجّه يومياً على دراجته النارية إلى الضاحية الجنوبية لبيروت ليتفقد منزله. الشاب الذي كان يعيش ويعمل في الضاحية، لم يتخيّل يوماً أن يتحوّل هذا الطريق الخطر إلى مهنة يعتاش منها في زمن الحرب. يقول لـ"العربي الجديد": "في البداية، كنت أذهب فقط لأتفقد بيتي. كنت أريد أن أعرف إن كان لا يزال قائماً، إن كانت النوافذ قد تكسّرت، إن كان القصف قد طاول المبنى. لكن مع الوقت بدأ الناس يطلبون مني أن أتفقد بيوتهم أيضاً". مع اشتداد الغارات العنيفة على الضاحية الجنوبية، اضطر محمد إلى تقليل تنقّلاته، لكنه اكتشف سريعاً أن القلق نفسه يسكن كثيرين غيره. عشرات العائلات التي نزحت من الضاحية إلى مناطق أكثر أماناً لم تكن تجرؤ على العودة، لكنّها كانت تحتاج إلى من يطمئنها؛ هل المنزل ما زال موجوداً؟ هل احترق؟ هل سُرقت محتوياته؟ هل يمكن العودة إليه؟ يشرح محمد كيف أصبح "عيون النازحين" ويضيف: "كان الناس يتصلون بي ويعطونني العنوان بالتفصيل؛ اسم الشارع، لون المبنى، الطابق، وحتى مكان الشقة. يطلبون مني أن أصوّر البيت من الخارج، وأن أرسل فيديو للمبنى والحيّ. أحياناً يطلبون أن أدخل إلى الشقة إن كان الباب مفتوحاً، أو أن أتحقق إن كان شيء قد سُرق". "كنت عاطلاً من العمل، والحرب أوقفت كل شيء"، يقول محمد. المبالغ التي يتقاضاها تختلف بحسب المهمة وخطورة المنطقة، ويتابع: "في العادة أتقاضى بين 50 و100 دولار أميركي. أحياناً أقلّ، وأحياناً أكثر إذا كان الحيّ خطراً أو قريباً من مواقع مستهدفة". ناصر سلوم، الذي كان يعمل في خدمة التوصيل قبل اندلاع الحرب، وجد نفسه فجأة أمام خيار قاسٍ؛ إمّا الاستمرار في العمل داخل الضاحية الجنوبية رغم الخطر، وإمّا التوقف كلياً ومواجهة احتمال أن تبقى عائلته بلا مصدر دخل. بالنسبة إليه، لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان واضحاً. ويقول باختصار: "الحاجة أقوى من الخوف". يوضح سلوم لـ"العربي الجديد" أنّ عمله اليوم يكمن في الدخول إلى مناطق لا يستطيع أصحاب البيوت أنفسهم الوصول إليها. ويضيف: "نسهّل أمور الناس، لأنهم لا يستطيعون الدخول إلى الضاحية، ويحتاجون إلى من يتفقد بيوتهم أو يجلب لهم أغراضهم. نسترزق من هذا العمل، والأعمار بيد الله".  لا توجد ساعات محددة للعمل في منطقة تعيش على إيقاع الغارات الإسرائيلية المتتالية. يشرح سلوم أن الدخول إلى الأحياء المقصوفة يخضع لحسابات اللحظة؛ هدوء نسبي، أو توقف موقّت للطيران، أو فرصة قصيرة بين غارة وأخرى. ويقول: "لا يوجد وقت محدد لدخولنا المنطقة. أحياناً ننتظر، نراقب الوضع، وعندما تسمح الفرصة ندخل بسرعة. لكن في النهاية لا يمكننا أن نتوقف، هذه مصلحتنا ورزقنا". الطلبات التي يتلقاها سلوم يومياً متعددة، وتعكس حجم القلق الذي يعيشه النازحون على بيوتهم وممتلكاتهم. ويشير إلى أنّ "معظم الأشياء التي يطلبها الناس أموال تركوها في البيت، أو أوراق مهمة، أو بضاعة من محالهم"، موضحاً أنّ بعض أصحاب المتاجر يطلبون منه إخراج بضائعهم قبل أن تتضرر. لكنّ المهام لا تقتصر على نقل الأغراض، فكثير من الطلبات تكون أكثر حساسية، لأنها ترتبط بتفاصيل الحياة التي تركها أصحابها على عجل. ويقول سلوم: "بعض الناس يطلبون مني أن أجلب أوراقاً رسمية من البيت؛ جوازات سفر، سندات ملكية، شهادات جامعية. آخرون يطلبون المصاغ الذهبي، أو حتى ألبومات الصور العائلية". ويضيف أنّ بعض الطلبات تحمل شحنة عاطفية لا تقلّ أهمية عن الأشياء الثمينة. ويتابع: "أحياناً تكون الطلبات مؤثرة جداً. مرة اتصلت بي امرأة وطلبت مني أن أجلب لعبة طفلها المفضّلة من البيت، لأن الطفل لا ينام من دونها منذ أن نزحوا. بالنسبة إليها، كانت تلك اللعبة أهم من أي شيء آخر". أما عن الأسعار، فيقول: "أتقاضى نحو 100 دولار، وأحياناً أراعي ظروف بعض الأشخاص، لكن في النهاية أنا أعرّض نفسي للخطر". خلال الحرب الدائرة، كثيرٌ من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت وجدوا أنفسهم مضطرين إلى إفراغ بيوتهم بالكامل، خوفاً من تدميرها أو نهب محتوياتها، أو حتى لأنّهم بحاجة إليها في المكان الذي نزحوا إليه. فظهرت حاجة ملحّة إلى من ينقل الأثاث ويُخرج ما يمكن إنقاذه من بين الأحياء المهددة بالقصف. بالنسبة إلى محمد وهبة، الذي يعمل في نقل الأثاث، تحوّلت هذه الحاجة إلى عمل يومي محفوف بالمخاطر. يقول لـ"العربي الجديد": "كنتُ أمام خيارين: إمّا أن أخاطر وأعمل في الضاحية الجنوبية رغم كل شيء، وإمّا أن أبقى بلا عمل. اخترتُ الخيار الأول". يقود وهبة شاحنته إلى الأحياء المتضررة لنقل أثاث المنازل التي غادرها أصحابها على عجل. المهمة ليست سهلة، إذ غالباً ما تُنفَّذ تحت تهديد القصف وفي شوارع شبه خالية، وبالتنسيق مع حزب الله كي لا يُتّهم بالسرقة، وفق قوله. يشرح أن كلّ عملية نقل تشبه مغامرة غير مضمونة النتائج، إذ إنّ "صوت المسيّرات والطائرات لا يغيب عن السماء. أحياناً نعمل ونحن نسمع الغارات في أماكن قريبة. تشعر أنّ الموت حاضرٌ في الهواء". ويؤكد وهبة أنّ العمل يتطلب سرعة وحذراً في الوقت نفسه. فالأثاث يجب إخراجه بسرعة، وتحميله على الشاحنة قبل أن يتغير الوضع الأمني أو يعود الطيران للتحليق بكثافة. في العادة، يتقاضى وهبة نحو 700 دولار لنقل كامل أثاث منزل واحد، وهو مبلغ يعكس حجم المخاطرة وصعوبة العمل في منطقة تتعرض للقصف. ويختم بالقول: "هذا عملنا، الحرب أجبرتنا على القيام بأشياء لم نكن نتخيّلها من قبل. كلنا كنّا نسعى خلف شيءٍ واحدٍ فقط، وهو أن نبقى، وأن نجد طريقة للعيش".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية