الرحمة للبنان
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لم يعد هناك متّسع من الوقت للبنانيين لحسم مصيرهم. الإعصار الذي يجرف بلدهم أصبح الأقوى من نوعه. إنه "فالق اليمونة" (فالق زلزالي يمتد من جنوب لبنان ليتلاقى مع فالق الأناضول الشرقي) غير الطبيعي الخاص بلبنان. ستّة صواريخ كانت كافيةً لرمينا في جحيم الموت. صباح اليوم السبت، يكون قد أصبح لدينا أكثر من مليون لبناني نازحين داخل وطنهم. 20% من اللبنانيين نازحون، ولا يبدو المستقبل مشرقاً، على وقع الرفض الأميركي أيّ مبادرة لبنانية لا تنطلق من مرحلة "ما بعد نزع سلاح حزب الله". وفي وقت تهدر فيه الدبابات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، يتصرّف القادة اللبنانيون بعد فوات الأوان، كالساعين إلى الفرار من تحمّل المسؤوليات برميها عن ظهورهم، أو الانغماس في قضايا ثانوية من قبيل "الأصول تقتضي". هناك أمر واقع لا يريد أحد التركيز عليه: كيف سيطبّق لبنان الرسمي تعهّده بنزع سلاح حزب الله بعدما وصفت الحكومة اللبنانية الحزب بأنه خارج عن القانون؟ قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، يعمل لإبعاد الكأس عنه لحسابات سياسية وميدانية، فيما يعلن الحزب أن الصواريخ الستّة كانت انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. الآن سيصبح كلّ شيء غير مهم، على اعتبار أن الواقع العسكري سيفرض نفسه حتى إشعار آخر، مع ما يحمله هذا من تهجير ونزوح وفلتان أمني وسياسي وأخلاقي ومجتمعي. وفي غياب قوّة القرار الرسمية اللبنانية، لن يكون مستغرَباً إذا ما كان اليوم التالي للبنان إدارة دولية تستمرّ عقوداً، عبر إدراج البلاد في "مجلس السلام" الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأجل غزّة. ويعني هذا أن منطق الفصل السابع سيُطبّق في البلاد، من دون الحاجة إلى إصدار قرار بذلك من مجلس الأمن. مخطئ من يعتقد أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول (2023)، بل ولا إلى ما قبل الثاني من مارس/ آذار الحالي حين أطلق حزب الله الصواريخ الستّة، التي اتخذتها إسرائيل ذريعةً لتدمير البلاد. اليوم التالي للبنان سيكون إعادة إعمار ستكلّف عشرات مليارات الدولارات، في أحسن الاحتمالات. وسيعود الاقتصاد إلى نقطة الصفر. لن تبقى حسابات السياسة اللبنانية كما هي بعد انتهاء الحرب. إن ما سنتكبّده في لبنان في الفترة المقبلة أشبه بولادة جديدة لوطن، من غير المعروف ما إذا كان سيبقى موحّداً أو منقسماً. الأدهى من ذلك كلّه أن العقلية السياسية اللبنانية لا تتصرّف بعقلانية تجاه الواقع، بل تعتمد على مبدأ "النكايات"، وكأن ما يجري حالياً أمر طبيعي لا يستلزم الاهتمام. في المقابل، هناك احتلال يعمل بشكل منهجي لتوجيه الإنذارات بالإخلاء، مختاراً المناطق المعنية بعناية، مفكّكاً ديمغرافيتها، ورامياً إلى استيلاد الفتن المتنقّلة، خصوصاً ذات الصبغة الطائفية والمذهبية. ومع أن النمط التصاعدي للتطوّرات اللبنانية لا يبشّر بالخير، هناك أزمة في عقول كثيرين ممّن يقطنون في بلاد الاغتراب أو بعيداً من القصف في لبنان، ممَّن ينظّرون على النازحين في خيامهم وسط البرد القارس بالقول إن "الأمر متروك للميدان". أصبح مصطلح "الميدان" بمثابة كلمة سحرية، وكأن مفعولها أقرب إلى كلمة مقدّسة، فيما هي واقع مدمّر لبلاد لم تخرج بعد من آثار حربها الداخلية بين عامي 1975 و1990، فكيف بعد عدوان 2006 وعدوان 2024؟ تحوّل هذا "الميدان" إلى خطيئة بحقّ لبنان، لجهة تحميله ما لا يمكن تحمّله، ثم رمي كل شيء على دولة ساهم حزب الله بالأساس مع باقي الأحزاب اللبنانية (من دون استثناء ولو بتفاوت) في إضعافها في العقود الماضية. اليوم، هناك مليون شخص في الشارع، والعدد إلى ازدياد، ما لم تحدث معجزةٌ ما لوقف هذا الجنون. لبنان بحاجة ماسّة إلى مثل هذه المعجزات، وناسه يستحقّون أكثر بكثير ممّا يحصل لهم من نزوح وتهجير وقتل ودمار. يستحقّ كثيرون العيش بسلام بعد عقود من البؤس.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية