عربي
في خطوة قد تفتح الباب على تغييرات كبيرة في مجرى ونتائج حملة التطهير المتواصلة في وزارة الدفاع الروسية منذ ربيع 2024، ألقت السلطات القبض على روسلان تساليكوف؛ النائب الأول السابق لوزير الدفاع الروسي السابق سيرغي شويغو. وبعث الاعتقال وتوجيه تهم للنائب الرابع لشويغو، الذي يشغل حالياً منصب أمين مجلس الأمن الروسي، رسالةً بأن الكرملين لم يغلق القضية، وفي الوقت ذاته، من غير المستبعد أن تصل التحقيقات والاتهامات إلى تاتيانا شيفتسوفا النائبة الخامسة والأخيرة من نواب سيرغي شويغو السابقين أو إلى الوزير السابق نفسه.
وأُلقي القبض على تساليكوف، في 5 مارس/ آذار الحالي. ووجهت لجنة التحقيق تهماً له باستغلال منصبه الرسمي لتأسيس شبكة إجرامية، وارتكاب العديد من جرائم الاختلاس. ووفقاً للجنة التحقيق الروسية، فإن تساليكوف مشتبه به في 12 تهمة اختلاس وغسيل أموال، بالإضافة إلى تهمتي رشوة. ووفقاً للمحققين، أنشأ تساليكوف منظمة إجرامية قام أعضاؤها بسرقة وتبييض أموال الميزانية العامة بين عامي 2017 و2024.
وفي يونيو/ حزيران 2024، وبعد شهر من تعيين أندريه بيلوسوف وزيراً للدفاع، غادر تساليكوف الوزارة مع نواب سيرغي شويغو الآخرين. وبعد مغادرة شويغو وزارة الدفاع، اعتُقل عدد من كبار المسؤولين العسكريين، من بينهم نائبان له، هما بافيل بوبوف وديمتري بولغاكوف. وخضع نائب آخر لشويغو، هو تيمور إيفانوف، للتحقيق قبل أقل من ثلاثة أسابيع من استقالته، وحكم عليه بالسجن 13 عاماً بتهم تبييض أموال وتلقي رشى.
تساليكوف "ظل" سيرغي شويغو
وعادة ما يوصف تساليكوف بـ"ظل" سيرغي شويغو، نظراً لأن سلمه الوظيفي ارتبط معه منذ 1994، وحينها ترقى في وزارة الطوارئ التي شغلها شويغو ليصل إلى منصب نائب الوزير. وبعدها عيّنه "عرابه" نائباً له حين تولّى منصب محافظ منطقة موسكو. وبعد تعيين سيرغي شويغو وزيراً للدفاع، ترأس تساليكوف هيئات عدة في الوزارة، ووصل إلى منصب النائب الأول لوزير الدفاع. وفي السنوات الأخيرة أشرف على أنشطة الوزارة الإعلامية والعلاقات العامة. وفي سبتمبر/ أيلول 2024، أصبح تساليكوف عضواً في برلمان جمهورية توفا، مسقط رأس شويغو، الذي سعى إلى منحه حصانة عبر الدفع به ليكون ممثلاً للجمهورية في مجلس الاتحاد (الشيوخ) الروسي لكنه فشل في المهمة.
وكشف إخفاق سيرغي شويغو في منح "ظله" حصانة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصّر على الاستمرار في حملة التطهير والتحقيقات حول الفساد في وزارة الدفاع، وأن شويغو ذاته ما زال في دائرة الخطر رغم توليه منصب أمين مجلس الأمن الروسي. وحصل شويغو على منصب فخري، لكنه جرد إلى حدّ كبير من النفوذ الكبير الذي كان يتمتع به. واستمرت عمليات القمع ضد فريقه. ومع اعتقال تساليكوف، بدا أن خصوم سيرغي شويغو لم يكتفوا بتفكيك معظم فريقه السابق، ويرغبون في مواصلة الجهود للانتقام منه، عبر الضغط عليه لتقديم استقالة طوعية، أو إقناع بوتين بإطلاق "رصاصة الرحمة" على وزير الدفاع السابق، في حال ذهب تساليكوف إلى صفقة مع السلطات تتضمن الاعتراف ضد قائده السابق مقابل تخفيف الحكم. ومن غير المستبعد أن يعرض على شويغو، مقابل الحصانة، الاستقالة طوعاً من منصبه في مجلس الأمن، لكن مثل هذه الضمانات نادراً ما تكون موثوقة في الممارسة الروسية. وبعد اعتقال أقرب معاونيه، سيصعب على أمين مجلس الأمن الروسي طلب الحماية من بوتين، مع أنه لا يستبعد أن يراعي الرئيس صديقاً قديماً.
شويغو يسعى للتقرب من بوتين
وسعى سيرغي شويغو في الشهور الأخيرة إلى الاقتراب أكثر من بوتين. وفي خريف العام الماضي، أُعيد انتخاب شويغو رئيساً لـ"الجمعية الجغرافية الروسية"، والتي تعد واحدة من النوادي غير الرسمية الخاصة بالنخب في الكرملين. واستقطب مؤتمر الجمعية زيارة من بوتين شخصياً، الذي لم يخفِ دعمه العلني لشويغو. وبعد فترة قصيرة، في 28 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، نشر سيرغي شويغو مقالاً بعنوان "وحدة الشعوب: أساس الدولة الروسية"، تناول فيه واحداً من المواضيع المفضّلة لدى بوتين، وهو فكرة أنّ روسيا لم تكن دولة تقوم بالاستيلاء على الأراضي بالقوة، بل تعمل على ضمها "سلمياً"، في حين أنّ الغرب يخطط لإثارة الفتن بين الشعوب داخل روسيا وتقسيمها. وكتب شويغو: "عادةً ما كانت الأراضي الجديدة تُضم إلى روسيا بدافع الحاجة إلى الحماية من الغزوات المعادية، فضلاً عن سعي مشترك لاستعادة الأراضي التي انتُزعت منها سابقاً". وأضاف محذّراً من أنّ الغرب يسعى إلى "تفتيت البلاد إلى عشرات الدويلات الصغيرة، ليُخضعها لاحقاً لإرادته ويستغلّها ويستخدمها لخدمة مصالحه الأنانية". ومن الواضح أن هذه الخطابات والمقالات صيغت خصيصاً لتلقى صداها لدى بوتين، وتجنب السيناريو الأسوأ. وأفضل ما يراهن عليه شويغو هو الاستمرار في الدائرة الأقرب لبوتين إلى حين انتهاء الحرب على أوكرانيا.
عداوات ومصير مجهول
أفضل ما يراهن عليه شويغو هو الاستمرار في الدائرة الأقرب لبوتين إلى حين انتهاء الحرب على أوكرانيا
وربما تساعد انتخابات مجلس الدوما (النواب)، المقرر إجراؤها في سبتمبر/ أيلول 2026، سيرغي شويغو ولو مؤقتاً، على تجنب مصير أسود، ولكن احتمال "التضحية" به وارد في ظل رغبة الكرملين في الفوز بأكثر من نصف مقاعد المجلس. ويعد سيرغي شويغو أحد المؤسسين الرسميين لحزب "روسيا الموحدة"، وترأس في الانتخابات السابقة القائمة الفيدرالية للحزب الحاكم. ولا يزال شويغو شخصية وثيقة الصلة بالحزب، وقد تلحق محاكمته الجنائية ضرراً بالغاً بسمعة أعضاء حزب روسيا الموحدة وشعبيتهم. في الوقت نفسه، يبدي التيار المؤيد للحرب في المجتمع الروسي موقفاً سلبياً تجاه شويغو، وهو ما أظهرته تعليقات صف واسع من " المراسلين العسكريين" في "قنوات زد"، ما قد يساهم في نهاية المطاف في رفع شعبية السلطات.
ويجد شويغو نفسه في موقف غير مفهوم. فمن جهة، لا يزال يحتفظ بمنصب رفيع، ويؤدي دوراً في الدبلوماسية غير الرسمية لصالح بوتين، عبر إيفاده للقاء قادة كوريا الشمالية وإيران وبلدان الاتحاد السوفييتي السابق، ولم يتعرض لانتقام شخصي، رغم فضائح الفساد عند نوابه والمقربين منه. وفي المقابل، يواصل خصومه السياسيون الضغط عليه لتصفية حسابات سابقة. ومعلوم أن قائد الحرس الوطني الروسي فيكتور زولوتوف، الصديق الشخصي لبوتين، سعى منذ سنوات إلى إقالة شويغو، وتعيين أليكسي دومين الحارس السابق لبوتين ومحافظ مقاطعة تولا السابق في منصب وزير الدفاع. كما دخل سيرغي شويغو منذ 2023 في صدام مع سيرغي تشيميزوف رئيس شركة "روس تيخ" المسؤولة عن قطاع الصناعات الدفاعية، والصديق الشخصي لبوتين منذ ثمانينيات القرن الماضي. وعلى خلفية تعثر الحرب في أوكرانيا وجه شويغو انتقادات علنية لأداء "روس تيخ" والمنتجات العسكرية أثناء توليه منصب وزير الدفاع.
شكاوى ضد شويغو
الشكاوى حول أداء شويغو في وزارة الدفاع تساهم في مهمة الإطاحة به
وما يساعد خصوم سيرغي شويغو في مهمة إطاحته الشكاوى المتراكمة لبوتين ضد وزير دفاعه السابق وما كشفته الحرب. فالجيش الذي خصصت له موازنات ضخمة فشل في احتلال كييف في أربعة أيام، كما أظهرت الأحداث خللاً كبيراً في منظومة الاتصالات العسكرية، ونقصاً في الزي العسكري. وتعرضت سمعة بوتين والجيش لضربة كبيرة بعد تصريحات رئيس مجموعة فاغنر الراحل يفغيني بريغوجين حول ضعف الجيش وسوء الإدارة والجنرالات الفاسدين وراء المكاتب. وفي حين انحاز بوتين لشويغو في الصراع مع المؤسسة العسكرية الرسمية، فإن انتقامه طاول بريغوجين لاحقاً. ولا يمكن لشويغو أن يشعر بالأمان الكامل بعد اعتقال نائبه الرابع والأقرب، وربما يتحول إلى "كبش فداء" جديد لإنقاذ النظام، وتحسين صورته على أبواب انتخابات الدوما المقبلة.

أخبار ذات صلة.
سقوط شظايا على واجهة أحد المباني وسط دبي
العربي الجديد
منذ 39 دقيقة