عربي
يمرّ الاقتصاد في قطاع غزة بحالة شلل غير مسبوقة طاولت مختلف القطاعات الإنتاجية بسبب تداعيات حرب الإبادة، وفي مقدمتها المشاريع الصغيرة التي تقودها النساء. هذه المشاريع التي شكلت خلال سنوات الحصار التي سبقت الحرب صمام أمان اقتصادي لآلاف الأسر، تجد نفسها أمام واقع قاسٍ أفقدها مقومات الاستمرار، ما عمق من حدة الأزمات المعيشية والاجتماعية.
ومع تصاعد معدلات البطالة وتآكل مصادر الدخل، برزت تداعيات الحرب بوضوح على ريادة الأعمال النسائية، التي كانت تمثل مساحة حيوية للتمكين الاقتصادي وتعزيز الاعتماد على الذات. وبعد حرب الإبادة، لم تعد تحديات المشاريع النسوية مرتبطة فقط بضعف الإمكانيات، بل باتت تتصل بفقدان رأس المال وانهيار البنية التشغيلية وانقطاع سلاسل التوريد، في وقت تبرز الحاجة الملحة إلى خطة إنعاش حقيقية تعيد لهذه المشاريع دورها الحيوي، ليس وسيلة لكسب الرزق فحسب، بل جزءاً أساسياً من معركة الصمود والبقاء في ظل واقع اقتصادي وإنساني بالغ التعقيد.
مشاريع مدّمرة
وقالت الفلسطينية صباح الحلو، التي كانت تمتلك مشروع خياطة في شمال غزة تعمل فيه 18 إمرأة: "مشروعي لم يكن مجرد محل خياطة، بل مساحة أمل لنساء مهمشات كن يسندن أسرهن، بدأناه بإمكانيات بسيطة واستطعنا خلال سنوات قليلة أن نثبت وجودنا في السوق ونبني قاعدة زبائن واسعة، حتى أصبح المشروع مصدر دخل ثابتاً لنا جميعاً".
وأضافت الحلو لـ"العربي الجديد": "تعرض المشروع للدمار الكامل خلال العدوان، ما أدى إلى فقدان الماكينات والأقمشة والمخزون بالكامل، والخسارة لم تكن مادية فقط، بل معنوية أيضا.ً كنا قد حققنا نجاحات كبيرة، وتمكنا من تشغيل أيدٍ عاملة نسائية كانت تعاني من البطالة، واليوم تجلس هؤلاء النسوة في بيوتهن في عداد العاطلات عن العمل". وأشارت إلى أنها تتطلع للعودة مجدداً، لكنها تصطدم بواقع صعب، حيث لا يوجد استيراد لماكينات الخياطة ولا للخيطان والمواد الخام، "حتى لو أردنا البدء من جديد، لا تتوفر المعدات ولا رأس المال. نحن ننتظر أي انفراجة اقتصادية تعيد لنا فرصة العمل والإنتاج".
نزوح وتعطل
في حين، قالت الفلسطينية صابرين حرب، التي كانت تمتلك مشروعاً للمعجنات وتعمل معها 12 إمرأة، إن المشروع بدأ كمبادرة بسيطة داخل المنزل، قبل أن يتوسع تدريجياً ويصبح مصدر رزق لعدد من الأسر. وأضافت حرب لـ"العربي الجديد": "كنا نعمل بإصرار وننتج يومياً كميات تسد احتياجات السوق المحلية، واستطعنا خلق اسم معروف في منطقتنا بمدينة رفح، قبل أن ننزح ونترك خلفنا الأفران والمعدات، ورغم عودتنا التدريجية توقف المشروع خلال فترات المجاعة التي رافقت الحرب، بسبب عدم توفر المواد الخام من دقيق ومواد غذائية مطلوبة".
ورغم عودتها الجزئية للعمل حالياً، أكدت حرب أنها تواجه صعوبات كبيرة، أبرزها عدم توفر غاز الطهي بانتظام والتقلبات الحادة في الأسعار، فـ"أحياناً نشتري المواد بسعر، وبعد أيام ينخفض أو يتضاعف السعر، هذا يجعل التخطيط مستحيلاً". وذكرت حرب أنها تتطلع لتوسيع مشروعها وإضافة نساء أخريات للعمل معها، لأن "هذه المشاريع تساهم بالحد الأدنى في انتشال عائلات من الفقر والبطالة وتوفر لهم دخلاً جيداً".
تحديات النهوض
من جهتها، ذكرت نائب مدير الجمعية الفلسطينية لفنون الطهي، الشيف سمر النباهين، أن أغلب المشاريع النسائية في قطاع غزة بدأت بجهد شخصي واعتمدت في مراحلها الأولى على دعم محدود من بعض المؤسسات التي وفرت أفراناً أو معدات، نظراً لأن كلفتها كانت تشكل عبئاً مادياً كبيراً على النساء.
وقالت النباهين لـ"العربي الجديد" إنّ "العديد من المشاريع الصغيرة التي انطلقت قبل الحرب ساهمت بشكل ملموس في تحقيق حد من الاكتفاء الذاتي لعشرات الأسر، بل إن بعض صاحباتها طوّرن أعمالهن وبدأن بإصدار سجلات تجارية فردية، ما يعكس تطوراً تدريجياً في بيئة ريادة الأعمال النسائية".
لكن النباهين أشارت إلى أن "الصعوبات الحالية في النهوض من جديد كثيرة ومعقدة، في مقدمتها فقدان رأس المال والمعدات، وكذلك الأماكن التي كانت تحتضن هذه المشاريع، سواء كانت منازل أو محال تجارية تعرضت للتدمير"، وأضافت: "الجميع يعاني اليوم من ارتفاع الإيجارات بشكل خيالي، سواء قررت السيدة البدء من منزلها أو استئجار محل تجاري، في ظل محدودية الأماكن الصالحة للعمل، كما أن الكثير من المؤسسات الداعمة لا تعمل حالياً، ما يحرم النساء من برامج التمويل والتأهيل التي كن يعتمدن عليها".
أزمة معيشية
بدورها، أكدت المختصة في الشأن الاقتصادي سمر هارون، أن "المشاريع النسائية تعرضت لضرر كبير نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، إذ دُمرت العديد من المحال والورش المنزلية الصغيرة التي كانت مصدر دخل أساسياً للنساء وأسرهن".
وقالت هارون لـ"العربي الجديد": "الكثير من النساء فقدن معداتهن وبضاعتهن وتوقف العمل والإنتاج بشكل مفاجئ بسبب النزوح المتكرر وانعدام الأمان، ما أدى إلى خسائر مادية جسيمة وصعوبة استئناف العمل". وأوضحت أن عدداً كبيراً من النساء كنّ يعتمدن على مشاريع صغيرة مثل صناعة المأكولات المنزلية والتطريز والخياطة ومستحضرات التجميل، لكن حرب الإبادة وما خلفته وانقطاع الكهرباء وصعوبة الحركة، أدت إلى توقف الإنتاج وخسارة المعدات والمواد الخام.
ولفتت إلى أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع الأسعار المستمر أثرا مباشرة على قدرة النساء على الاستمرار في مشاريعهن، إذ تراجع الطلب داخل المجتمع الغزي بسبب معدلات الفقر التي وصلت حدود الـ90% والبطالة التي فاقت الـ80%، فضلاً عن انعدام السيولة، ما جعل تسويق المنتجات شبه مستحيل.
وأشارت هارون إلى أنه بجانب الوضع الاقتصادي السيّئ، تواجه صاحبات المشاريع صعوبات كبيرة في الوصول إلى التمويل أو الدعم، في ظل تركيز الجهود على تلبية الاحتياجات الإنسانية الطارئة. وشددت على أن تمكين المرأة اقتصادياً في غزة ليس ترفاً تنموياً، بل ضرورة ملحة لإعادة بناء المجتمع وتعزيز قدرته على التعافي وإعادة الإعمار، في ظل واقع تتراجع فيه فرص العمل النظامية وتتزايد فيه الحاجة إلى مبادرات إنتاجية صغيرة تعيد عجلة الاقتصاد إلى الدوران.
