عربي
ثمة خلل واضح في بعض الخطابات العربية إزاء الحرب على إيران، رغم الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها خلال الحرب الحالية، بعدما عمدت إلى الاعتداء على سيادة الدول الخليجية، رغم الدور الذي أدته هذه الدول في محاولة إقناع ترامب بخيار المفاوضات لا الحرب.
المواجهة التي اندلعت بمبادرة إسرائيلية، وبدعم أميركي صريح، تحوّلت لدى بعض الأصوات إلى مناسبة للتصفيق لانتصار حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، مع مطالبة الآخرين بتفهم هذا الموقف، بينما يُنكر في المقابل حق عربي آخر في التعبير عن قلقه من حرب أقرّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو نفسه بأن إسرائيل تقودها أساساً، قبل أن تنخرط فيها واشنطن دعماً لأهدافها. المسألة هنا ليست سياسية فحسب، بل أخلاقية أيضاً. من رفض مذابح الأطفال في الحولة وداريا والزبداني في سورية لا يمكنه أن يتغاضى عن مقتل مدنيين في أماكن أخرى، مثل قصف مدرسة البنات في ميناب الإيرانية. انتقائية التعاطف لا تقل قسوة عن العنف نفسه، والتشفي بالضحايا لا يليق بضحية عانت بدورها ويلات الحروب والتدخلات، بما فيها تدخلات طهران في أكثر من بلد عربي.
صحيح أن إيران ارتكبت أخطاء كارثية، حين تدخلت لسنوات في شؤون دول عربية أو قصفت أخيراً دول جوار، ما أضعفها وراكم خسائرها. كما لا يمكن إنكار دورها في مواجهة ثورة السوريين أو في قبول الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان. لكن ذلك وغيره لا يبرر تأييد حرب تقودها إسرائيل والولايات المتحدة ضد دولة في المنطقة، ولا يجعل من آلة الحرب الإسرائيلية حلاً. المفارقة أن بعض الأصوات الأميركية تبدو أحياناً أكثر وضوحاً من بعض الخطابات العربية في قراءة أهداف هذه الحرب. إسرائيل لا تخفي رؤيتها الأمنية القائمة على فرض ميزان قوة يجعل حدود نفوذها حيث يصل حضورها العسكري، ضمن تصور هيمني أوسع لدورها في المنطقة.
لذلك لا يحتاج الموقف العربي إلى المفاضلة بين طهران وتل أبيب، بل إلى التفكير في مصالحه الخاصة وتجنب تكرار أخطاء تاريخية دفعت شعوب المنطقة ثمنها عندما راهنت قبل قرن على وعود القوى الكبرى. لا إسرائيل تمثل حلاً لمشكلات منطقتنا، ولا إيران كذلك، والحل يبدأ حين تنظر الدول العربية إلى مصالحها بعيداً عن الاصطفاف خلف مشاريع الآخرين.
في هذا السياق، لا يبدو تصريح ماركو روبيو زلة لسان، مع إدراك متزايد في الشارع الأميركي بأن سياسات نتنياهو قد تجرّ واشنطن والمنطقة إلى صراعات أوسع تتجاوز إيران. ومن ثمّ، لا يحتاج المرء إلى الإعجاب بالنظام الإيراني كي يرفض الحرب وتوسيع رقعة الدمار؛ وهو موقف عبّر عنه أيضاً رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في معارضته لاتساع الصراع في المنطقة.
