عربي
للمرة الأولى منذ قيام دولة إسرائيل، تشن إسرائيل حرباً ضد دولة في المنطقة، إسلامية أو عربية، بهدف مُعلن يتمثل في تغيير نظام الحكم فيها. اذ أعلنت إِسرائيل للمرة الأولى في تاريخها أن الهدف الرسمي والمُعلن عبر حرب إسرائيل على إيران هو إسقاط نظام حكم في دولة إسلامية في الشرق الأوسط، تُعد من أكبر وأهم دول المنطقة. وقد جاء هذا الموقف عبر تصريحات صريحة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن إيتمار بن غفير، والمتحدث العسكري الرسمي إفي ديفرين، وهو الهدف ذاته الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سياق الحرب على إيران. كما أقدمت إسرائيل لأول مرة في تاريخها على اغتيال علني واحتفالي إلى حد بعيد، لقائدٍ لدولة إسلامية، وهو المرشد الإيراني علي خامنئي. مع العلم أن خامنئي لا يُعدّ فقط الشخصية السياسية الأبرز في النظام الإيراني، بل يُمثّل أيضاً أحد أهم المرجعيات الدينية الشيعية في المنطقة. ويعكس هذا السلوك تحولاً جوهرياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية وفي أنماط عملها، إذ يبدو أن إسرائيل باتت أقل اكتراثاً بردات الفعل الإقليمية والدولية على خطواتها في الحرب ضد إيران.
حرب إسرائيل على إيران
كما تُعدّ حرب إسرائيل على إيران أول حرب تخوضها إسرائيل في شراكة كاملة وعلنية، تخطيطاً وتنفيذاً، مع الولايات المتحدة. منذ العدوان الثلاثي (فرنسا، بريطانيا، إسرائيل) على مصر عام 1956، لم تنخرط إسرائيل في حرب واسعة إلى جانب قوة عظمى كشريك مباشر في الحرب. ولا يدور الحديث هنا عن مشاركة رمزية أو دعم غير مباشر يقتصر على تزويد إسرائيل باحتياجاتها العسكرية، كما كان في العادة، بل عن تنسيق وشراكة ميدانية كاملة في اتخاذ القرار والتخطيط والتنفيذ.
في الوقت الذي أعلنت فيه معظم دول العالم، على الأقل على المستوى العلني، سعيها إلى تجنّب اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران، والدفع نحو إنجاح المفاوضات، تبنّت إسرائيل موقفاً مغايراً. ودفعت، رسمياً وفعلياً، باتجاه إفشال مسار التفاوض، وأعلنت تفضيلها خيار الحرب، معتبرة أن أي اتفاق محتمل سيكون بالضرورة مضراً بمصالحها الاستراتيجية. وتشير المعطيات إلى أن قرار الذهاب إلى الحرب كان قد اتُّخذ في وقت سابق، لدى كل من إسرائيل والإدارة الأميركية، وأن المفاوضات لم تكن سوى محاولة لكسب الوقت واستكمال الاستعدادات العسكرية، إلى جانب بناء سردية سياسية داخلية تبرّر الانتقال إلى المواجهة.
تندرج حرب إسرائيل على إيران ضمن سياق أوسع يتمثل في سعي إسرائيل إلى تكريس هيمنة إقليمية كاملة
بدت إسرائيل معنية بخوض الحرب مع إيران في هذا التوقيت تحديداً، وفي ظل المعطيات القائمة. وبعد أن نجحت، في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في تجنّب ما وصفته بـ"سيناريو الرعب" المتمثل في فتح جبهات متعددة بالتوازي، مستفيدة من قدرتها على ردع حزب الله وإيران آنذاك، ومن خطأ في تقدير الأخيرين للتحول الذي شهدته إسرائيل، إضافة إلى التحذيرات الصريحة التي أطلقها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لإيران وحزب الله من مغبة التدخل في الحرب، ترى إسرائيل اليوم أن اللحظة باتت مواتية لاستكمال المواجهة وفق شروطها وبالتوقيت الذي يخدم حساباتها الاستراتيجية.
وفي حرب إسرائيل على إيران أرادت الأولى شنّها هذه المرحلة لعدة أسباب، أهمها أنها وفق تقديراتها، قادرة على تحمّل كلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية. وثانياً، لوجود إجماع داخلي واسع يؤيد خيار الحرب، فقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال الأسابيع الأخيرة دعماً ملحوظاً في الشارع الإسرائيلي لاستئناف الحرب على إيران، حتى لو جرت بصورة منفردة ومن دون مشاركة أميركية رسمية. وثالثاً، لأن المعارضة البرلمانية لا تعارض هذا المسار، بل إن اندفاعها نحو التصعيد لا يقل عن اندفاع الائتلاف الحاكم. ناهيك عن أن الحرب جاءت بالشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة.
ويستند تقدير "الكلفة المنخفضة" نسبياً إلى جملة عوامل مهّدت لها إسرائيل مسبقاً. من جهة، أسهمت حرب إسرائيل على إيران في الصيف الماضي في إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية بشكل ملحوظ. ومن جهة أخرى، تعاملت إسرائيل مع مكوّنات ما يُعرف بـ"المحور الإيراني" بالتوازي وبشكل منفصل، ما زاد من فرص تحقيق إنجازات عسكرية وقلّص مخاطر المواجهة المتزامنة على عدة جبهات.
تندرج حرب إسرائيل على إيران ضمن سياق أوسع يتمثل في سعي إسرائيل إلى تكريس هيمنة إقليمية كاملة. التوجه نحو المواجهة لا يُفهم باعتباره خطوة تكتيكية معزولة، بل ترجمة مباشرة لتصريحات كبار صنّاع القرار، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذين تحدثوا عن ضرورة إحداث تغيير استراتيجي شامل في الشرق الأوسط، يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي. من هذا المنظور، تُقارب إسرائيل الجبهات المختلفة باعتبارها مترابطة ومتكاملة. إن إعادة صياغة المعادلة الأمنية في المنطقة، وفق العقلية الاستراتيجية الإسرائيلية، تعني القضاء على أي إمكانية لنشوء تهديد جدي مستقبلي، ومنع إعادة تشكّل موازين قوى قد تُقوّض تفوقها وهيمنتها. ولضمان هذه الهيمنة كان لا بد، من منظار إسرائيلي، استكمال تفتيت ما يسمى المحور الإيراني. عاجلاً أو آجلاً، كما ترى إسرائيل، ستحاول إيران إعادة ترميم قدرات الحلفاء وقدراتها العسكرية والصاروخية.
يبدو أن إسرائيل تجاوزت مقاربة الردّ على التهديدات الأمنية، وانتقلت إلى سلوك يُحاكي سلوك قوة إقليمية كبرى تتصرف انطلاقاً من منطق فرض المصالح عبر العمل العسكري المباشر والعلني، بما في ذلك إسقاط أنظمة في المنطقة، ومنع تشكّل أي تهديد مستقبلي يمكن أن يقيّد هيمنتها أو ينازعها السيطرة الإقليمية. في هذا السياق، تستثمر إسرائيل وجود رئيس أميركي لا يتردد في استخدام القوة العسكرية، ويُبدي دعماً شبه مطلق لمطالبها وأهدافها، وكذلك لسياسات اليمين الحاكم فيها، من أجل الدفع بهذه الاستراتيجية إلى مداها الأقصى وتحقيق أهداف بعيدة المدى تتجاوز حدود المواجهة الآنية.
أقدمت إسرائيل لأول مرة في تاريخها على اغتيال علني لقائدٍ لدولة إسلامية وهو المرشد الإيراني علي خامنئي
تُظهر متابعة تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووزير الأمن، والناطق العسكري، إلى جانب الخطاب الإعلامي السائد، غياباً شبه كامل لهدف تدمير المشروع النووي الإيراني من قائمة أهداف الحرب الحالية. ويأتي ذلك بعدما كان هذا الهدف يشكّل الحجة المركزية التي تمّ الترويج لها لتبرير حرب إسرائيل على إيران في الصيف الماضي. في المقابل، برز هدف جديد يتمثل في تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، التي تدّعي إسرائيل بأنها قد تُشكّل في المستقبل تهديداً وجودياً لها. غير أن هذا التحول في الخطاب يأتي رغم امتلاك إسرائيل منظومات دفاع جوي متقدمة وفعّالة للتصدي لأي تهديد صاروخي، فضلاً عن المشاركة المباشرة للجيش الأميركي في اعتراض الصواريخ الإيرانية.
الهيمنة الإسرائيلية إقليمياً
وعليه، لا يبدو أن المسألة تقتصر على معالجة تهديد أمني محدد. إسرائيل لا تكتفي بتفوّقها الجوي المطلق، ولا باحتكارها للسلاح النووي في المنطقة، بل تتصرف، وفق منطق أوسع يقوم على منع تشكّل أي قدرة قد تُقيّد هيمنتها الإقليمية، وليس فقط وفق حسابات التهديدات الأمنية المباشرة. وتكشف حرب إسرائيل على إيران مرة أخرى أنه لم يعد بالإمكان الفصل بين الأهداف والمصالح السياسية والشخصية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وبين المصالح الأمنية والاستراتيجية لإسرائيل. نتنياهو يسعى إلى ترسيخ إرث سياسي يُقدَّم فيه بوصفه "منقذ إسرائيل والشعب اليهودي"، في مواجهة الاتهامات التي تحمّله مسؤولية أخطر إخفاق أمني شهدته إسرائيل منذ قيامها، والمتمثل في هجوم السابع من أكتوبر.
من الواضح أن نتنياهو يربط، في هذه المرحلة، بين مستقبله السياسي وبين نتائج الحرب على إيران، فأي إنجاز عسكري تحققه إسرائيل سيُعاد تقديمه بوصفه إنجازاً شخصياً له، وسيُسوَّق داخلياً باعتباره أحد أهم التحولات العسكرية في تاريخ إسرائيل. في هذا السياق، يُعدّ اغتيال خامنئي أحد أشكال "صورة الانتصار" التي قد يسعى نتنياهو إلى استثمارها سياسياً. وجميع هذه التطورات، يمكن أن تعزز مكانته السياسية والانتخابية، وتعيد صياغة صورته القيادية في الداخل الإسرائيلي. في الأوضاع والمعطيات الراهنة، وفي حال نجحت إسرائيل بتحقيق ما تعتبره إنجازات عسكرية، فيجب عدم إسقاط فرضية توسيع الحرب لجبهات أخرى، مثل جبهة لبنان في محاولة لاستغلال الوضع الناشئ لمحاولة إغلاق ملف حزب الله، كما تدعي إسرائيل. وبعدها قد يذهب نتنياهو الى انتخابات مبكرة يسوق فيها نفسه كمنقذ لإسرائيل.
