عربي
يبدو المشهد في مطلع عام 2026 مألوفاً إلى حدٍ مخيف، بيانات رسمية، وساطات دولية، تحذيرات من التصعيد، ثم عودة بطيئة إلى النقطة نفسها. ما يلفت الانتباه ليس فشل الاتفاقات بحد ذاته، بل غياب الصدمة الشعبية. لا احتجاج، لا حماسة، ولا حتى خيبة علنية. فقط متابعة صامتة، وكأنّ السوريين باتوا يتعاملون مع السياسة كما يتعاملون مع انقطاع الكهرباء؛ حدث مزعج لكنه متوقَّع.
هنا تستعيد عبارة ألبير كامو معناها القاسي: "الأمر ينتهي بنا إلى اعتياد أيّ شيء". فبعد أكثر من 15 عاماً من الحرب، لم يعد الاعتياد مجرّد آلية نفسية للبقاء بل تحوّل إلى بنية ذهنية جماعية، تُفرغ الأحداث من معناها، وتحوّل الغضب إلى إرهاق، والإرهاق إلى صمت. سورية اليوم لا تعيش فقط أزمة سياسية أو إنسانية، بل أزمة إحساس حيث يفقد الحدث ثقله، وتفقد المأساة قدرتها على الإرباك.
في بدايات الثورة كان كل قصف صدمة، وكل اعتقال جرحاً مفتوحاً وكل نزوح فعل اقتلاع. كانت المأساة تُواجَه بالغضب، وكان الغضب وقوداً للرفض. لكن مع تكرار الألم ومع غياب أي أفق حقيقي للتغيير أو المحاسبة، بدأ الاعتياد يتسلّل ببطء إلى الوعي الجمعي.
لقد أثبت السوريون قدرة هائلة على البقاء، لكنّ البقاء وحده لا يكفي. الاعتياد سمح لهم بالنجاة، لكنه سلبهم الغضب. وهذا الغضب ليس رفاهية بل ضرورة أخلاقية وسياسية
وصف دوستويفسكي الإنسان بأنه يبكي أولاً ثم يعتاد، ورأى في هذا الاعتياد انكساراً داخلياً يُفرغ التجربة من معناها. محمود درويش ذهب أبعد حين اعتبر التكيّف أكبر تنازل يقدّمه الإنسان في حياته. بين هذين التحذيرين تتجسّد التجربة السورية بكل قسوتها؛ حيث لم يعد التكيّف خياراً فردياً، بل تحوّل إلى نمط حياة جماعي.
يفسّر علم النفس هذه الحالة بما يُعرف بالتأقلم الدفاعي والتعلّم على العجز. حين تتكرر الصدمة دون نتائج، يبدأ العقل بتحييد الألم، لا لأنه زال، بل لأنه أصبح غير محتمل. ومع الوقت، يتوقف الفرد ثم المجتمع عن محاولة التغيير. في سورية، لم يعد هذا المسار استثناءً، بل أصبح القاعدة.
تتجلّى آثار الاعتياد في تفاصيل الحياة اليومية. الكهرباء لم تعد حقاً أساسياً بل مكافأة مؤقتة. القلق من فواتير الطاقة يفوق القلق من انقطاعها. الاقتصاد المنهار جعل الفقر قاعدة عامة، حتى بات الحديث عن أن 90% من السوريين تحت خط الفقر رقماً بلا صدمة، وأحياناً بلا غضب.
الأخطر من الاعتياد المعيشي الاعتياد السياسي. الإعلان عن حكومات انتقالية أو تفاهمات جديدة كان في زمنٍ ما كافياً لإشعال الشارع. اليوم يمرّ الخبر بلا صدى. لا لأن الناس راضية، بل لأنها فقدت الثقة. سنوات من الوعود غير المنجزة حوّلت السياسة إلى مسرح بعيد، لا يستحق الاستثمار العاطفي.
ليست هذه اللامبالاة حياداً، بل نتيجة مباشرة لتراكم الإحباط. حين يتحول الغضب إلى صمت، يصبح القهر أكثر فاعلية. لا حاجة لعنف مفرط يكفي أن يستمر الواقع على حاله؛ هكذا يتحول الاعتياد إلى أداة حكم غير معلنة. تثبت التجارب العالمية أنّ المجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج مشاريع ذاكرة حيّة. في سورية، غياب هذه المشاريع يفتح الباب أمام نسيان تدريجي، يجعل العدالة أبعد مع كل عام يمر، الاعتياد هنا لا يقتل الألم فقط بل يقتل القصة.
وإذا استمر هذا المسار، لن يكون الخطر الأكبر على سورية تجدد العنف، بل ترسّخ الاعتياد باعتباره قيمة اجتماعية تُورَّث للأجيال. طفل نشأ في المخيم، ولم يعرف سوى الخيام والطوابير، قد لا يرى في هذا الواقع ظلماً بل حياة طبيعية. عندها يصبح كسر الحلقة أصعب من أي وقت مضى. لكن هذا المصير ليس حتمياً. كسر الاعتياد يبدأ باستعادة الحقّ في الرفض، في الغضب، في الدهشة، في الحلم. يبدأ من دعم نفسي جماعي يعيد تعريف الألم باعتباره قضية عامة، ومن عدالة انتقالية تُعيد المعنى للتجربة، ومن إعلام يعيد الإنسان إلى القصة بدل الاكتفاء بالأرقام.
لقد أثبت السوريون قدرة هائلة على البقاء، لكنّ البقاء وحده لا يكفي. الاعتياد سمح لهم بالنجاة، لكنه سلبهم الغضب. وهذا الغضب ليس رفاهية بل ضرورة أخلاقية وسياسية. إذا كان كامو قد قال إننا نعتاد كل شيء، فإنّ التجربة السورية تقول إن أخطر ما يمكن أن نعتاده هو الظلم نفسه. كسر هذا الاعتياد هو الشرط الأول لأيّ عدالة قادمة، وأيّ حرّية ممكنة. فالبقاء بلا حرية ليس حياة إنما انتظار طويل في حلقة صامتة لا تنتهي.

أخبار ذات صلة.
مقتل 8 فلسطينيين في غزة بغارات إسرائيلية
الشرق الأوسط
منذ 3 دقائق