متحف اللوفر... سرقة كُبرى وإضرابات واستقالة وتعيين
عربي
منذ أسبوعين
مشاركة
في 19 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، سرق أربعة لصوص مجوهرات بقيمة أكثر من 103 ملايين دولار من متحف اللوفر. منذ ذلك اليوم، لم تعرف المؤسسة يوماً هادئاً؛ إذ دخلت في سلسلة أزمات متشعّبة، آخر مُخرَجاتها تمثّلت باستقالة رئيسة المتحف لورانس دي كار، يوم الثلاثاء الماضي، وتعيين المؤرّخ الفني كريستوف ليريبو رئيساً للمتحف يوم الأربعاء. بهذا، سيتولى كريستوف ليريبو مسؤولية إخراج أكبر متحف في العالم من الأزمة التي فجرتها سرقة المجوهرات في أكتوبر الماضي. وشددت وزارة الثقافة الفرنسية التي تشرف على اللوفر أن على لوريبو "إعادة مناخ الثقة" إلى المتحف. استقالت لورانس دي كار التي تولّت إدارة اللوفر منذ أواخر 2021 الثلاثاء الماضي، إثر سلسلة من المشاكل التي عصفت بالمتحف. فبعد سرقة ثماني قطع مجوهرات تعود إلى القرن التاسع عشر في 19 أكتوبر الماضي تقدّر قيمتها بحوالى 88 مليون يورو (أكثر من مائة مليون دولار)، اضطر متحف اللوفر إلى إغلاق أبواب إحدى صالات العرض بسبب تسرب مياه قرب مكان عرض لوحة موناليزا، ما ألحق ضرراً بكتب في قسم الآثار المصرية. أُلقي القبض على ستة أشخاص، أربعة منهم مشتبه بهم أساسيون في ما يخص السرقة. أما القطع المسروقة فلم يستعد المتحف منها شيئاً حتى الآن. إلى جانب ذلك، واجه المتحف أطول نزاع اجتماعي مع موظّفيه ضمن سلسلة إضرابات منذ منتصف ديسمبر/ كانون الأول الماضي للمطالبة باستحداث وظائف وإيلاء أولوية للأعمال الأكثر إلحاحاً. وزادت الضغوط خلال الأسابيع الأخيرة، عندما كشفت السلطات عن عملية احتيال مشتبه بها في التذاكر جارية منذ عقد على صلة بالمتحف. ويقول المحققون إنها ربما كلفت اللوفر عشرة ملايين يورو (نحو 12 مليون دولار). تسببت الإضرابات في إغلاق المتحف بالكامل عدة مرّات. ووفقاً لصحيفة لوموند، بلغت الخسائر الناجمة عن هذه الإضرابات نحو 2.5 مليون يورو. طالب العاملون بزيادة عدد الموظفين وتحسين ظروف العمل، والتوقف عن إبرام عقود عمل هشة، وإنهاء الاستعانة بمتعهدين خارجيين، إضافة إلى الاستثمار في المباني والتجهيزات التقنية. لم يكن التصعيد مفاجئاً، إذ يواجه الموظفون منذ سنوات ضغوطاً متزايدة. في عام 2019، أوقف موظفو الاستقبال والأمن العمل بسبب تضخم أعباء العمل. وفي عام 2023، حدّد اللوفر عدد الزوار بـ30 ألفاً يومياً، غير أن الإجراءات لم تكن كافية. وفي 16 يونيو/ حزيران 2025، اندلعت إضرابات جديدة، وانتقدت النقابات شطب نحو 200 وظيفة في الأمن والمراقبة خلال عشر سنوات. في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، شهد اللوفر تسرّباً مائياً أدّى إلى إلحاق الضرر بـ350 مجلداً من أصل 15 ألف محفوظة في مكتبة البحث التابعة لقسم الآثار المصرية. حينها، أوضح المتحف أن المواد المتأثرة تقتصر على دراسات حديثة ودوريات متخصّصة في علم المصريات، يستخدمها الباحثون والطاقم العلمي، مؤكداً أن أيّاً من الكتب القديمة أو الأعمال التراثية أو المخطوطات الأثرية لم يتضرر. مثلّت الإضرابات التي شلت حركة المتحف انفجاراً للاحتقان الذي تراكم لسنوات تحت وطأة السياحة المفرطة. فالعاملون الذين يواجهون يومياً تدفقات بشرية هائلة، وجدوا أنفسهم أمام آلة تطلب منهم المزيد من اليقظة الأمنية والجهد البدني، في مقابل تقليص مستمر في الموارد البشرية. أدى الإضراب إلى حالة من الشلل الرمزي؛ إذ إن إغلاق أبواب المتحف أمام آلاف السياح الذين قطعوا آلاف الكيلومترات لرؤية الموناليزا شكّل ضغطاً سياسياً لا يُستهان به على قصر الإليزيه، ما جعل استقالة لورانس دي كار أمراً حتمياً لا مفر منه لتهدئة الشارع الثقافي الغاضب. في خضم هذا الركام الإداري والأمني، يبرز اسم المؤرّخ الفني كريستوف ليريبو؛ فالرجل ليس غريباً على الأزمات، فهو الذي أحدث ثورة في القصر الصغير (Petit Palais)، وأعاد البريق إلى متحف أورسيه (Musée d'Orsay) خلال فترات حرجة. يُعرف ليريبو في الأوساط الثقافية الفرنسية بأنه "الدبلوماسي الهادئ" الذي يمتلك قدرة فائقة على التوفيق بين متطلبات الإدارة الصارمة واحتياجات الموظفين. أهميته تكمن في أنه يجمع بين الخبرة الأكاديمية العميقة لكونه مؤرخاً للفن، وبين الحنكة في إدارة المؤسسات الكبرى، وهو ما يحتاجه اللوفر الآن لترميم جسور الثقة المكسورة مع النقابات العمالية. من المتوقع أن يتبنى كريستوف ليريبو سياسة "التهدئة والمركزية الإنسانية"، أي جعل الموظف هو حجر الزاوية في حماية الأثر، وليس الكاميرات وأجهزة الإنذار فقط. يمتلك المؤرِّخ الفني سجلاً حافلاً في جذب التمويلات الخاصة من دون المساس بقدسية العمل الثقافي، ومن المرجح أن تكون أولى خطواته هي إطلاق خطة داخلية لتحديث البنية التحتية للمتحف، خاصة بعد حادثة تسرب المياه في قسم الآثار المصرية، التي كشفت عن ترهل في صيانة المباني التاريخية. ومع ذلك، تظل المهمة الملقاة على عاتق ليريبو صعبة ومعقدة في ظل الظروف الراهنة. فالإضرابات لا تزال تلقي بظلالها، والشرخ الذي أحدثته السرقة في نفوس الفرنسيين عميق جداً. يتوقع المراقبون أن يبدأ ليريبو عهده بـ"جولة استماع" واسعة النطاق، وهو أسلوب اشتهر به في مناصبه السابقة، لامتصاص غضب النقابات التي ترى في تعيينه فرصة أخيرة للحوار قبل الدخول في عصيان إداري شامل. سيعني نجاح ليريبو استعادة اللوفر مكانته، أما إخفاقه فقد يعني بداية نهاية العصر الذهبي للمتاحف العامة الكبرى في فرنسا، وتحولها إلى "حصون" مغلقة يغلفها الجمود. في النهاية، يجد اللوفر نفسه عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يخرج من هذه الأزمات المتلاحقة ببنية إدارية وأمنية أصلب، وإما أن يظل أسيراً للصراعات الداخلية والتهديدات الخارجية. الأنظار كلها تتجه الآن إلى كريستوف ليريبو، الرجل الذي سيحمل مفاتيح اللوفر في وقت لا يحسده عليه أحد، منتظراً ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من نتائج التحقيقات في السرقة، ومدى قدرته على إقناع العمال بأن اللوفر بيتهم قبل أن يكون مكاناً لعملهم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية