Arab
يشهد قطاع الأغذية والمشروبات في السعودية طفرة نمو استثنائية تعكس تصاعد حجم الفرص الاستثمارية في خدمات إعاشة الحجاج والزوار، إذ أظهرت البيانات المالية للبنك المركزي السعودي لفترة ما قبل الموسم أن القطاع نجح في معالجة عمليات مالية بقيمة 3.7 مليارات ريال سعودي في أسبوع واحد فقط خلال شهر مارس/آذار من العام الجاري، ما سلط الضوء على "سوق وجبات الحجاج" كأحد أبرز فرص هذا الاقتصاد الموسمي (الدولار = نحو 3.75 ريالات).
ويأتي ذلك في وقت تسجل فيه بعض الفئات الفرعية لقطاع الأغذية معدلات نمو سنوية تصل إلى 54%، بينما تتجه الهيئات الحكومية إلى فرض تطبيق المرحلة الثانية من نظام الفوترة الإلكترونية بحلول يونيو/ حزيران القادم للمنشآت التي تتجاوز إيراداتها 375 ألف ريال سعودي، ما يسرع التحول الرقمي ويفتح آفاقاً رحبة لإدماج رياديي الأعمال المحليين في المنظومة التمويلية، حسب تقرير نشرته منصة كاتر الميدل إيست (Caterer Middle East)، المتخصصة في قطاع الضيافة والأغذية والمشروبات، في 18 مايو/أيار الجاري.
الضغوط اللوجستية
مع تزايد الضغوط اللوجستية خلال 5 أيام من مناسك الحج في مكة، تسعى شركات التجزئة الكبرى إلى تعزيز حضورها عبر نماذج تشغيلية مرنة ومبتكرة، مثل إطلاق متاجر مؤقتة مجهزة للعمل على مدار الساعة بهدف تأمين وصول الحجاج إلى السلع التموينية والوجبات الجاهزة لمواجهة تحديات حركة الحشود في درجات الحرارة المرتفعة.
ورغم نجاح الكيانات الكبرى في إدارة العمليات المعقدة وتوزيع ملايين عبوات المياه المبردة بالاعتماد على سلاسل إمداد حرارية متطورة ومبردات ضخمة، إلا أن هذا النموذج كشف عن فجوة لوجستية يمكن للأسر المنتجة ورياديي الأعمال المحليين ردمها بفعالية، باعتبار أن الكيانات المحلية الناشئة تملك مرونة أكبر لتلبية الطلب المتنوع على الوجبات التقليدية المطهوة منزلياً، ما يستدعي خلق قنوات ربط ومساحات تشغيلية مخصصة تمكن صغار رواد الأعمال من الاندماج في سلاسل إمداد الحج دون الحاجة لتحمل أعباء لوجستية ضخمة تتجاوز قدراتهم التمويلية، حسب ما أورد تقرير نشرته منصة بريف جلانس (Brief Glance)، المعنية بتحليلات قطاع التجزئة والأعمال، في 19 مايو الجاري.
ويؤكد خبراء أن الحل الجوهري لمنع تكرار مشكلات تلف الأطعمة يكمن في تقريب المسافات الجغرافية لمطابخ التحضير من فنادق إقامة الحجاج، وهو ما يمثل ميزة تنافسية مباشرة للأسر المنتجة والمطابخ المحلية الصغيرة بوصفها قادرة على تقديم وجبات طازجة وسريعة التحضير وتوصيلها في فترات زمنية قصيرة مقارنة بالمطابخ المركزية الضخمة والبعيدة جغرافياً، حسب ما أورد تقرير نشرته منصة فويس أوف إندونيسيا (VOI)، في 18 مايو الجاري.
اقتصاد المناسبات في السعودية
في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي حسام عايش، لـ"العربي الجديد"، أن سوق وجبات الحجاج تعد نموذجاً حياً لـ"اقتصاد المناسبات"، وهو شكل من أشكال الاقتصاد الموسمي الذي يمتلك مكوناته وأدواته وتقنياته الخاصة، ويفترض فيه إشراك المنتجين الصغار وأصحاب المشاريع المتوسطة وحتى العائلات في عملية الإنتاج، ما يساهم في إيجاد دخل لفئات اقتصادية ليست من الكبار أو الفاعلين الرئيسيين، لكنها قادرة على التطور والنمو. ويسهم هذا النهج في تحقيق توزيع أوسع للعائدات الاقتصادية وتعزيز التشاركية بين الفعاليات الكبيرة والصغيرة، إذ يمكن لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة المشاركة إما عبر الائتلاف فيما بينهم أو بالتعاون مع الشركات الكبرى، ما يؤدي إلى تحسين البنية الاقتصادية العامة وفتح الفرص للجميع، كما يوضح عايش، مؤكداً ضرورة تنظيم هذه المناسبات بما يسمح للشباب وأصحاب الأفكار الجديدة والمشاريع الريادية بدور مهم في استثمارها. ويعتمد هكذا تنظيم على سياسات وإجراءات حكومية تبدأ بنسب مشاركة محدودة (مثل 10%) وتتدرج لتصل إلى نسب أعلى (50% فأكثر) في المواسم القادمة، ما يمنح الرياديين الجدد فرصة للدخول في دورة السوق الاقتصادية تدريجياً، وفق رؤية عايش.
ويشبّه الخبير الاقتصادي هذه الآلية بإشراك اللاعبين الجدد في الفرق الرياضية الذين يتطورون ليصبحوا أساسيين، ما يحافظ على حيوية السوق واستمراريتها ويجعل من سوق وجبات الحجاج مجالاً للتدريب لهذه الفعاليات الجديدة من كافة المناطق لضمان توزيع العائد على أكبر عدد من المشاركين ومنع الاحتكار من الكيانات الغذائية الكبرى. ويخلص عايش إلى أنّ كسر الاحتكار من شأنه أن يؤدي إلى خلق منافسة إيجابية بين الأطراف الجديدة والقائمة، تركز على الجودة والسعر والتوصيل والابتكار والمعارف الجديدة، ما قد يقود إلى أشكال جديدة من النظام الغذائي، ليتحول المشاركون الجدد تدريجياً إلى أنشطة تعمل طوال السنة وتكبر قدراتها التنظيمية بفضل الخبرات المكتسبة.
مشاركة جزئية
في السياق، يشير الخبير الاقتصادي محمد الناير، لـ "العربي الجديد"، إلى أن مشروع تجهيز وجبات الحجاج يعد مشروعاً ضخماً يتطلب توفير أكثر من 30 مليون وجبة خلال موسم الحج، وتتنافس عليه نحو 280 إلى 300 شركة لضمان تقديم هذه الوجبات بمواصفات عالية الجودة وبتكاليف تصل إلى مليارات الريالات، لافتاً إلى أنّ الدولة السعودية يمكنها تخصيص نسبة من هذا المشروع الضخم لرواد الأعمال والمشاريع الصغيرة والأسر المنتجة، رغم أن إسناد المشروع كاملاً لهذه الفئات قد يكون صعباً في البداية. ويعزو الناير تلك الصعوبة بسبب محدودية خبرات وإمكانات رواد الأعمال الصغار، إلّا أنه يرى في الوقت ذاته أن "المشاركة الجزئية" تمثل نقلة نوعية كبيرة تدعم نمو هذه الشرائح الاقتصادية. ونظراً لكثرة التبرعات العينية من المحسنين الذين يفضلون إعداد الوجبات بأنفسهم، يقترح الناير إنشاء صندوق خاص لتجميع هذه التبرعات النقدية وتوظيفها لتمويل رواد الأعمال وصغار المنتجين لتجهيز نسبة مقدرة من الوجبات المقدمة مجاناً للحجاج، ما يحول التبرعات الفردية إلى دعم مؤسّسي منظم، كما يقترح الناير وضع برامج حكومية وخطط تدعم الشباب وصغار رواد الأعمال والأسر المنتجة، وتسهيل الإجراءات أمامهم لتمكينهم من النمو والتطور، بحيث تكبر هذه الكيانات الصغيرة وتصبح قادرة مستقبلاً على التكاتف وتنفيذ المشروع بالكامل، ما يعزز قدراتها التنافسية ويحسن مستويات الدخل للفئات الناشئة.

Related News
8 يونيو موعداً لانعقاد أولى جلسات البرلمان السوري
aawsat
28 minutes ago
«أوريشنيك» الروسي يختبر دفاعات كييف
aawsat
37 minutes ago
في رثاء مؤرّخ عُماني
alaraby ALjadeed
51 minutes ago
بن غفير يتمادى... وليس وحده
alaraby ALjadeed
51 minutes ago