Arab
فقدنا خميس العدوي الثلاثاء الماضي، وكأنّنا فقدنا جزءاً من أنفسنا. أخذنا معه، كعادته الاجتماعية، حين لا يرضى لأحد أن يظلّ وحيداً. لا يوجد أحد عرف خميس ولم يتعلّق به، أو من الصعب أن تعرفه من دون تعلّق قلبي صميم، وكأنّ لا أحد يمكن أن يشبه خميس العدوي في هذا العالم. ماذا يمكن أن نكتب عن خميس؟ كم هو محظوظ من لم يعرفه، لأنّه لن يتألّم لخبر رحيله.
مواقف كثيرة يصعب حصرها حصلت لمن عرف خميس. أتذكّر أصغرها حين سألته، عبر رسالة في "واتساب"، عن كيفية صناعة الفخّار العماني الذي تشتهر به ولايته بهلا. كان سؤالي في كلمتَين، ولم أتوقّع أبداً أن يرسل لي تسجيلاً صوتياً من 40 دقيقة، مفصِّلاً كلّ شاردة وواردة، حتّى إنّي لم أجد الوقت إلا لاحقاً لسماعه. فأربعون دقيقة تحتاج إلى وقت وهدوء لتصغي إلى محتوياتها الدقيقة. هكذا هو خميس، على مشاغله واهتمامه بدقائق الأمور والمشاعر. حتّى في تربية أبنائه، كان يشاهد معهم حلقات الرسوم المتحرّكة كأنّه واحد منهم. كريم وسخي في وقته، رغم مشاغله في القراءة العميقة للفكر، وفي كتابة مقال أسبوعي في صحيفة عُمان، وفي عمله في وزارة الثقافة، وانتمائه إلى جمعيات أهلية (الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء)، واعتكافه على صياغة موسوعة تاريخية لولايته، وتأسيسه تطوّعياً أكبر مكتبة في داخلية عُمان، مكتبة الندوة العامة التي أسّسها بدقّة وجمال.
لا يدّعي الانشغال حين أعطيه مخطوطاً قصصياً ليقرأه ويعطيني رأيه، فكان يسارع إلى إنهائه وضرب موعد سريع معي ليطلعني على الملاحظات الشكلية، بسيارته القديمة التي تدلّل على أنّ شؤون الرفاه والدنيا لم تكن ضمن شاغله، بقدر ما كانت المعرفة والعلم شاغله الشاغل. المعرفة والعلم، وليس شيئاً آخر غيرهما. تطلب منه كتاباً من كتبه، فلا يقول لك: "ستجده في المكتبة الفلانية"، بل يأتيك وقد ملأ صندوق سيارته بجميع مؤلفاته: "خذ ما تشاء منها". مرّة قلت له إنّ زميلة لي تبحث عن عنوان قديم له، فجاءني بنسختَين، لي ولها.
في رحلة الحافلة من القاهرة إلى الإسكندرية، كان يتحدّث عن الحبّ والحياة، وقال لي ساخراً إنّه متورّط بين فريقَين: المثقّفون يعتبرونه مطوّعاً، والمطاوعة يعتبرونه مثقّفاً. وحكى لي عن طفولته، وكيف أنّهم كانوا يلجؤون إلى البئر لسماع الأغاني، وهو ما وظّفته جزئياً في رواية "طبول الوادي".
ترك خميس المناصب وراء ظهره، متفرّغاً للنبش والمساءلة والتفكيك. فجميع كتب الشيخ خميس تلقى قبولاً، ولا تقف عند حدود الطبعة الأولى، رغم أنّه سخي في إهداء كتبه من دون سؤال عن المقابل. خميس الكاتب الضرورة في زمن الكسل والتقاعس والاكتفاء بمتعة شاشات الهواتف، وقضاء الوقت باسترخاء أمام شاشات الكمبيوتر، ومتابعة "فيسبوك" و"تويتر". في زمن السهولة والسيولة، كان خميس يفكّر في أشياء أبعد في التاريخ. وبالنسبة إليه، كان التاريخ العُماني كنزاً لم نتمكّن من احتواء إلا اليسير من درره ومكنوناته الرابضة في القيعان.
كان يحلم أخيراً بإنشاء قناة في "يوتيوب" لتفسير القرآن الكريم. ورغم تلك المشاغل، كان خميس وراء مراجعات كثيرة لكتب عُمانيين في مجال الفكر الديني. آخرها مراجعاته كتاب أحمد النوفلي "تأويل القرآن... المناهج والإشكاليات". وأخبرني النوفلي نفسه بأنّ خميس كان وراء مراجعات وتصويبات كثيرة لهذا الكتاب، فمن أين كان يجد الوقت؟ ويمكن أن تعرف مصادفة أنّه راجع كتاب فلان وعلّان من دون أن يصرّح، إنكاراً للذات وقصداً للأجر الإلهي. وخميس، حين يراجع لأحد، لا يطلب مقابلاً، بل الغريب أنّه ينسى أنّه راجع لك كتاباً مع مرور الزمن. ومراجعاته من الدقّة والحرص بحيث إنّها تلمح حتّى الظلال.
قال لي مرّة، حين أعاد إليّ مخطوطاً لي قرأه، وسألته: من أين تأتي بهذه الدقّة؟ فقال: "أنا لا أركّز على الأفكار، الأفكار شأن الكاتب". وكان خميس مؤمناً بحرّية الأفكار في سياق الكتابة غير الإبداعية، فما بالك بالكتابة الإبداعية التي ديدنها الخيال والعدول وخلق واقع جديد وموازٍ، ولكنّه مختلف.
ما كُتب فيه بعد رحيله، بين نثر وما يشبه الشعر، كان مفعماً بالشعور بالصدمة. صدمة فقدان رجل نادر وجميل في زمن لن نجد فيه بسهولة أمثال الشيخ خميس العدوي.
رحمه الله، وألهم أبناءه، ماجد وعبد الحكيم والخطيب، الصبر.

Related News
واشنطن تحذر «حزب الله» بعد تهديده بإسقاط الحكومة
aawsat
2 minutes ago
وفد عراقي مشترك إلى طهران لبحث الهجمات على كردستان
aawsat
20 minutes ago