Arab
كرس مسلسل "مناورة الملكة" (2020)، نموذجاً للمرأة العبقرية في لعبة الشطرنج؛ بيث هارمون، اللاعبة الجذابة التي تهزم الجميع بموهبة تبدو أقرب إلى السحر. لكن وثائقي "ملكة الشطرنج" (نتفليكس، 2026)، يعيد مساءلة هذه الصورة عبر تجربة المجرية جوديت بولغار، إحدى أبرز لاعبات الشطرنج في العالم.
بدأت بولغار اللعب في الخامسة من عمرها، وانتزعت لقب أستاذة دولية كبيرة وهي لا تزال في الخامسة عشرة، محطمة بذلك الرقم القياسي الذي احتفظ به بوبي فيشر لسنوات. غير أن هذا التألق المبكر لم يأتِ من دون ثمن؛ إذ واجهت في البداية سخرية وسائل الإعلام، وازدراء اللاعبين الذين رفضوا الاعتراف بهزيمتهم أمام امرأة، واستمروا في التشكيك في القدرات الذهنية للنساء. تستعيد مخرجة الفيلم روري كينيدي المناخ السائد داخل أروقة اللعبة في تلك الحقبة عبر مواد أرشيفية ومقابلات تاريخية، تتكرر فيها تصريحات أسماء بارزة في الشطرنج، مثل غاري كاسباروف وبوبي فيشر، مباشرة وصريحة، وقائمة على تصور مفاده أن المرأة لا تملك القدرة الذهنية على الصمود في مباريات الشطرنج الطويلة.
لكن كينيدي لا تقدم بولغار ضحيةً؛ إذ تنجح اختياراتها البصرية في تجريد تلك المركزية الذكورية من سطوتها، عبر التركيز المستمر على نظرات جوديت الحادة وحضورها الواثق. غير أن الفيلم لا يتعامل مع بولغار بوصفها استثناء فردياً، بل نتاج منظومة كاملة؛ أب أراد تطبيق نظريته في صناعة العباقرة على بناته الثلاث، ونظام وظّف الشطرنج أداةَ دعاية سياسية، ولعبة ظلت طويلاً محكومة بإقصاء النساء.
هذه الرواية مختلفة تماماً عن الصورة التي سوّق لها "مناورة الملكة"؛ فبيث هارمون تُقدَّم شخصيةً استثنائية وجذابة في آن، لتغدو عبقريتها جزءاً من هالتها نجمةً. نحن هنا أمام صياغة متخيلة تسعى إلى ترميم واقعٍ مشوّه، إذ تبدو الموهبة أمراً فطرياً يتجلى في رؤى بصرية ساحرة على سقف الغرفة، وكأن العبقرية حالة إلهام مباغتة وليست ثمرة تدريب شاق.
حتى الرقعة نفسها تبدو مختلفة بين العملين، ففي "مناورة الملكة" تتحول لعبة الشطرنج إلى فضاء بصري أنيق ومثير، أشبه بعرض للأزياء والذكاء معاً، إذ تُصوَّر المباريات بوصفها ذروة درامية مصقولة. أما وثائقي كينيدي، فيعيد اللعبة إلى طبيعتها الأقسى والأشد رتابة؛ ساعات طويلة من التدريب والعزلة والتوتر النفسي، فلا تبدو العبقرية لحظة إلهام ساحرة، بل عملية استنزاف يومية.
كذلك، اختار صنّاع المسلسل تقديم صورة منمقة للمعاناة؛ فالعزلة والإدمان والتخبط النفسي، كل ذلك قُدِّم ضمن غلاف أنيق جعل من الألم مادة للتعاطف. حتى لحظات الذروة بدت مغرقة في المثالية؛ إذ يتحول الخصوم فجأة إلى رجال يصفقون اعترافاً بعبقرية بيث، وكأن المنظومة الذكورية تخلّت دفعة واحدة عن عدائيتها أمام هذه العبقرية.
لكن هذه الصورة الوردية هي التي تجعل الفجوة تتسع عند مقارنتها بواقع جوديت؛ إذ يبدو وثائقي كينيدي أقل اهتماماً بصناعة الأسطورة، وأكثر انشغالاً بإظهار المعركة اليومية التي تخوضها؛ الضغط، والتدريب، والعزلة، والنظرات التي كان عليها تجاهلها كلما دخلت قاعة اللعب.
ولم تُخفِ جوديت بولغار نفسها شعورها بأن "مناورة الملكة" لطّف كثيراً من العنف الذكوري داخل عالم الشطرنج. فرغم واقعية المباريات وحركة اللاعبين، بدا عالم بيث هارمون أكثر تسامحاً مما عرفته جوديت بولغار فعلياً؛ رجال يعترفون سريعاً بعبقرية امرأة ويصفقون لها، مقابل واقع تتذكره هي بوصفه مليئاً بالاستعلاء والإنكار والعدائية الصامتة. بعض اللاعبين كانوا يرفضون مصافحتها بعد الهزيمة، وآخرون يبررون خسارتهم أمام امرأة باعتبارها مجرد "يوم سيئ". هنا لا يعود الفرق بين العملين فرقاً بين وثائقي ودراما فقط، بل بين واقع حاولت الثقافة الشعبية تجميله، وتجربة نسائية كان عليها أن تقاتل من أجل حقها في الجلوس إلى الطاولة أصلاً.
يركز "ملكة الشطرنج" على الصراع مع غاري كاسباروف بوصفه الخصم الأبرز، إذ تمزج كينيدي بين الأرشيف والمقابلات الحديثة لترسم مسارين لا يتشابهان؛ ثقة كاسباروف المفرطة في مقابل قلق بولغار المكتوم، طريق ممهدة لبطل العالم، وأخرى تشقها امرأة وحدها. يسير السرد نحو ذروة هذا الصراع ثم يبدأ بتفكيكه، وكأن كاسباروف كان صورة لكل ما وقفت بولغار في مواجهته .
ينجح "ملكة الشطرنج" في كشف جذور هذا الصراع من خلال إظهار العنف الكامن داخل عالم الشطرنج؛ فالرجال هناك كانوا حراس بوابات يحاولون منع أي امرأة من الدخول. وعندما نرى تلك المقابلات القديمة، ندرك أن المشكلة كانت في الأنا المتضخمة لرجال مثل بوبي فيشر وغاري كاسباروف، اللذين اعتبرا خسارتهما أمام امرأة إهانة لرجولتهما.
ما يصوره الفيلم يتجاوز الشطرنج؛ إنها حرب استنزاف نفسية، تبدو صورةً مصغرة لما تواجهه النساء عند محاولة الدخول إلى مجالات غير مرحب بهن فيها. لم يكن اللعب ببراعة كافياً؛ كان على جوديت بولغار أن تتحلى ببرودة أعصاب دائمة في مواجهة سيل الاستحقار المحيط بها، وهذا ما يفسر تلك النظرة الحادة التي تلتقطها كينيدي باستمرار.
قدّم "مناورة الملكة" عبقرية نسائية مصقولة ومع ذلك منح بطلته مساحة أكثر حميمية وإنسانية، بينما بدت جوديت بولغار في الفيلم الوثائقي أكثر تحفظاً وانغلاقاً، لتترك كينيدي السؤال الأهم معلقاً: في خضم كل هذا: الأب، والسياسة، والتمييز، من هي جوديت بولغار خارج الرقعة؟

Related News
10 آلاف كردي تقدّموا بطلب الحصول على الجنسية السورية
aawsat
8 minutes ago
«ثغرات» عائلية قادت إسرائيل إلى قيادات «حماس»
aawsat
12 minutes ago
تركيا: أزمة «الشعب الجمهوري» تتعمّق
aawsat
18 minutes ago
إطلاق نار قرب البيت الأبيض في أثناء تواجد ترامب
alaraby ALjadeed
19 minutes ago