Arab
يقف مسؤول "تكية العطاء الخيرية" ياسر أحمد، أمام قدور الطعام الفارغة تقريبًا في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، محاولًا تفسير ما يجري. يقول لـ "العربي الجديد" إن المنظمات الدولية قلصت المساعدات الغذائية، ويعتبر أنّ هذا المسار يزيد القهر الذي يعيشه سكان غزة. يؤكد أحمد أنّ نحو 97% من سكان قطاع غزة يعتمدون اليوم بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية والتكايا (المطابخ الخيرية) للحصول على الطعام، موضحاً أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بتوفير وجبة يومية، بل أصبحت تمس حياة الناس بشكل مباشر، خصوصاً مع انتشار سوء التغذية بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.
ويقول أحمد إنّ القدرة الشرائية لدى المواطنين "شبه معدومة" بسبب تدمير مصادر الرزق كافة، من الزراعة والثروة السمكية إلى الصناعة والتجارة، فضلًا عن الارتفاع الجنوني للأسعار. ويوضح أنّ ما يتوفر من سلع في الأسواق لا يتجاوز 37% من الاحتياجات الأساسية، بينما يعجز معظم السكان عن شرائها.
وأعلنت منظمة "المطبخ المركزي العالمي" تقليص خدماتها ووجباتها الساخنة في غزة إلى مستويات ما قبل اتفاق أكتوبر نظراً لضغوط مالية هائلة، ورغم إعلانها استمرارها في تقديم مئات آلاف الوجبات خلافاً لما كانت تقدمه مليون وجبة يومياً، أكدت المنظمة أن تلبية الاحتياجات الهائلة لسكان القطاع تفوق قدراتها وتتطلب تدخلاً عالمياً لتوفير تمويل مستدام. وبناء على القرار، أنهيت عقود ما بين 400 و500 موظف وعامل ومقدّم طعام، إضافة إلى إغلاق عشرات المطابخ المجتمعية التي كانت تقدم الوجبات للنازحين والسكان في مختلف مناطق القطاع. تواصلت "العربي الجديد" مع عددٍ من العاملين في المطبخ العالمي لكنهم رفضوا التعليق على القرار، فيما رفضت مؤسسات دولية أخرى الحديث عن الموضوع ذاته.
توقيت مريب
يشير أحمد إلى أن "تكية العطاء الخيرية" كانت، قبل تقليص الدعم، توفر الطعام يومياً لما بين 150 و200 أسرة، بينما تمتلك القدرة التشغيلية لإطعام ما بين 700 و1000 أسرة يومياً إذا توفر الدعم اللازم. ويوضح أنّ التكية تضم 20 قدراً للطهي و10 مناصب للطعام وكادراً بشرياً قادراً على العمل "لكنّ المشكلة تكمن في غياب الحاضنة المؤسساتية والدعم اللوجستي". ويصف توقيت تقليص المساعدات بأنّه "مريب وغير مناسب إطلاقاً" بخاصة في ظل استمرار الحرب وإغلاق المعابر وشح المساعدات، مؤكداً أنّ "المجاعة باتت تطرق أبواب كل بيت في غزة".
ويطالب أحمد المؤسسات الدولية وبرنامج "المطبخ المركزي العالمي" بزيادة خدمات الإغاثة بدلًا من تقليصها، وتنظيم العمل الإنساني بشكل أفضل داخل القطاع، محذرًا من أن هناك بالفعل "عائلات تبيت جائعة دون أي طعام".
وفي محاولة لتعويض غياب المؤسسات الدولية، تواصل بعض المبادرات المحلية جهودها بإمكانات محدودة. عبد الرحمن عايش، وهو ناشط يعمل ضمن مبادرات خيرية في مخيم النصيرات، يقول إنهم كانوا يعتمدون سابقًا على دعم بعض الجهات الإغاثية لتوفير الطعام للنازحين، لكن الأزمة تفاقمت بشكل كبير خلال الأيام الأخيرة.
ويضيف لـ "العربي الجديد": "نجتهد مع أهل الخير لتقديم المساعدات النقدية والعينية، لكن الدعم تراجع بحدة، وأصبحنا غير قادرين على تلبية احتياجات الناس. كنا نتعاون مع المطبخ العالمي وبعض الجهات الأخرى للحصول على وجبات جاهزة أو مواد للطهي، لكن أبلغونا بأنه لم يعد هناك إمكانية للتزويد".
ويشير إلى أن المبادرات الشعبية كانت تستهدف نحو 6000 أسرة في شمال النصيرات، وكانت تعمل بشكل تكاملي مع المؤسسات الدولية لتغطية الاحتياجات الغذائية، إلا أن توقف خطوط الإغاثة جعل الأزمة أكثر تعقيداً. ويؤكد أن التكايا أصبحت المصدر الرئيسي لتأمين الطعام داخل البيوت، متسائلاً عن مبررات تقليص الدعم في هذا التوقيت الحرج.
ويضيف: "المواطن الفقير يحتاج إلى الحد الأدنى من حقوقه الإنسانية. الناس لم تعد تطلب الرفاهية، بل فقط حقها في الأكل والشرب والعيش بكرامة".
صور قاسية
داخل مدرسة لإيواء النازحين وسط القطاع، تضم عشرات العائلات النازحة، تبدو صورة الأزمة أكثر قسوة.
صبري نبهان (50 سنة)، يعمل متطوعاً في إحدى التكايا داخل المدرسة، رغم أنه لا يتقاضى أي مقابل مالي منذ فترة طويلة. يقول نبهان لـ "العربي الجديد"، إنهم كانوا يطهون يومياً ما بين سبعة وعشرة قدور طعام، بحسب كمية الدعم المتوفرة، موضحًا أن مبادرات مثل "الفارس الشهم" كانت توفر الأرز والمعكرونة والعدس والصلصة وبعض المواد الأخرى "لكنّ الدعم توقف منذ أسابيع".
ويضيف أنّ الأزمة لا تتعلق فقط بالطعام، بل أيضاً بغياب وسائل الطهي، إذ يعاني السكان من نقص شديد في الحطب والغاز اللازمين لإعداد الوجبات. ويشير إلى أنّ "المطبخ العالمي" كان يوزع الطعام داخل المدرسة والمناطق المحيطة، لكنه توقف منذ عشرة أيام عن الوصول إلى المنطقة.
ويتابع: "الناس كانت تأتي يومياً إلى المدرسة للحصول على الطعام، والآن بالكاد يستطيعون تأمين وجبة واحدة. الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية أصبحت خانقة، ولا قدرة لدى الناس على شراء الخضروات أو الوقود أو أي احتياجات أساسية". أما منار دحلان، وهو نازح من مخيم جباليا شمال القطاع إلى منطقة حمد في خان يونس جنوباً، فيعيش مع أسرته المكونة من خمسة أفراد داخل خيمة مهترئة، بعد أن فقد مصدر رزقه بالكامل خلال الحرب.
يقول دحلان لـ "العربي الجديد"، إن التكية الخيرية كانت تمثل طوق النجاة الوحيد لعائلته، قبل أن تتوقف عن العمل إثر قرار تقليص الدعم. ويضيف: "منذ توقف التكية، بالكاد أستطيع توفير وجبة واحدة في اليوم لأطفالي".
ويوضح أنه يعتمد أيضاً على بعض المساعدات التي تقدمها المؤسسات الدولية، مثل أكياس الأرز والعدس والمعلبات، لكنها لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية. ويصف قرار "المطبخ العالمي" بأنه "صادم" لأنه عمّق الأزمة الإنسانية التي يعيشها النازحون، وأثار مخاوف من أن تحذو مؤسسات أخرى الخطوة ذاتها. وفي شمال مدينة غزة، يعيش إياد الدنف مع أسرته المكونة من ستة أفراد في حي الشيخ رضوان، معتمداً بشكل شبه كامل على التكايا الخيرية التي تصل إلى المنطقة.
يروي الدنف لـ "العربي الجديد"، إن قرار تقليص المساعدات "كارثي" لأنه يضاعف المعاناة اليومية للسكان الذين فقدوا كل شيء تقريباً خلال الحرب. ويؤكد أن كثيراً من العائلات لم تعد تملك أي قدرة على شراء الطعام أو حتى تأمين احتياجاتها الأساسية.
ويوضح أنه لم يتلقَ أي طعام من التكية التي اعتمد عليها منذ فترة طويلة، وذلك في أعقاب قرار "المطبخ العالمي" وهو ما انعكس سلباً على قدرته في توفير وجبات الطعام لأطفال، خصوصاً أنه يعاني أوضاعاً معيشية صعبة. وتستغيث المؤسسات الدولية بخصوص ضرورة إعادة الدعم والمساعدات كما في الأيام السابقة، من أجل تفادي كارثة عودة المجاعة من جديد، في ظل عدم وجود أي قدرة شرائية لدى أرباب العائلات.

Related News
10 آلاف كردي تقدّموا بطلب الحصول على الجنسية السورية
aawsat
11 minutes ago
«ثغرات» عائلية قادت إسرائيل إلى قيادات «حماس»
aawsat
15 minutes ago
تركيا: أزمة «الشعب الجمهوري» تتعمّق
aawsat
21 minutes ago
إطلاق نار قرب البيت الأبيض في أثناء تواجد ترامب
alaraby ALjadeed
22 minutes ago