Arab
اتخذت الأزمة المتصاعدة داخل الوسط السينمائي الفرنسي ضد نفوذ رجل الأعمال الفرنسي فنسنت بولوريه ومجموعة كانال+ منحى قانونياً، بعدما أعلنت نقابة العاملين في قطاع العروض والفنون التابعة للكونفدرالية العامة للشغل (CGT Spectacle)، بالتعاون مع الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان (LDH)، التوجه إلى القضاء ضد "كانال+" واتهامها بممارسة "تمييز سياسي" ضد السينمائيين الموقعين على العريضة المناهضة لنفوذ بولوريه داخل القطاع السينمائي.
وشددت المنظمتان، في بيان مشترك صدر من مدينة كان اليوم السبت، على "ألّا مكان للتمييز في السينما، واتهمتا الرئيس التنفيذي لـ"كانال+" ماكسيم سعادة بانتهاك القانون بعد إعلانه رفض العمل مستقبلاً مع الموقعين على العريضة المناهضة لبولوريه. وأكد البيان أنه جرى تكليف المحامي الفرنسي أريه أليمي برفع دعوى أمام محكمة نانتير القضائية، للمطالبة بإلغاء القرار وفتح تحقيق بشأن "التمييز" الذي أعلنت المجموعة نيتها ممارسته داخل القطاع السينمائي.
واتهم البيان "كانال+" بالسعي إلى "إسكات الأصوات التي ترتفع داخل المهنة ضد تنامي نفوذ فنسنت بولوريه على مجمل سلسلة إنتاج وتوزيع السينما"، ورأى أن تصريحات سعادة ليست "ردة فعل عاطفية"، بل "خياراً متعمداً لمعاقبة التعبير السياسي والنقابي".
كما أعلنت الجهتان أنهما تدرسان إمكان اللجوء إلى المفوضية الأوروبية، بدعوى أن نفوذ "كانال+" يدخل ضمن "مخطط تركيز رجعي لوسائل الثقافة" يقوده بولوريه.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتسع رقعة الاعتراض داخل الوسط السينمائي الفرنسي والعالمي ضد نفوذ رجل الأعمال الفرنسي فنسنت بولوريه وسيطرته على مجموعة كانال+، في جدل تصاعد خلال الأسبوع الثاني من مهرجان كان السينمائي، وسط تحذيرات من تأثير ذلك على مستقبل السينما الفرنسية واستقلاليتها.
وانضم عدد كبير من السينمائيين إلى العريضة التي نُشرت في شكل رسالة مفتوحة عشية انطلاق المهرجان في 12 مايو/أيار الحالي، ليصل عدد الموقعين عليها إلى نحو 3500 شخصية، بينهم المخرجان كن لوتش وآكي كوريسماكي، والمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس، والممثلان خافيير بارديم ومارك روفالو.
ويتهم الموقعون بولوريه باستخدام إمبراطوريته الإعلامية للترويج لأفكار "رجعية ويمينية متطرفة"، ويحذرون من أن توسع نفوذ "كانال+" داخل قطاع السينما قد يؤدي إلى "توحيد نمط الأفلام" و"استيلاء فاشي على الخيال الجماعي"، بحسب نص العريضة المنشورة في صحيفة ليبيراسيون. ويأتي ذلك على خلفية إعلان "كانال+" عام 2025 استحواذها على حصة تبلغ 34% من سلسلة دور السينما الفرنسية "يو جي سي" (UGC)، مع الإشارة إلى نيتها السعي إلى "استحواذ محتمل" على المجموعة كاملة عام 2028.
وانضم إلى العريضة خلال الأيام الأخيرة عدد إضافي من الأسماء غير الفرنسية، بينهم المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، والممثل الفلسطيني صالح بكري، والمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، والمخرجة الإسبانية إيزابيل كويشيت، إلى جانب الممثلة الأميركية إنديا مور والمخرج البرازيلي والتر ساليس، كما ضمت قائمة الموقعين منذ البداية أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينها رئيسة لجنة تحكيم "كان" هذا العام جولييت بينوش، والممثلة أديل إكزاركوبولوس، والمخرج آرثر هراري، والمخرج برتران مانديكو، والممثل سوان أرلو.
وتفاقم الجدل في 17 مايو، بعدما ردّ الرئيس التنفيذي لـ"كانال+"، ماكسيم سعادة، على العريضة خلال لقاء مع منتجين في مهرجان "كان"، معلناً أنه لم يعد يرغب في العمل مع الموقعين عليها، وقال: "لن أعمل بعد الآن مع الأشخاص الذين وقعوا على هذه العريضة، ولا أريد لكانال+ العمل معهم".
وأثارت تصريحات سعادة موجة انتقادات واسعة داخل الوسط السينمائي، إذ اعتبر كثيرون أنها ترقى إلى مستوى التهديد بالمقاطعة أو "القوائم السوداء"، بما قد يشكل مساساً بحرية التعبير. واتهمت النائبة الاشتراكية الفرنسية، سيلين هيرفيو، بولوريه بـ"خنق حرية التعبير والإبداع"، فيما قالت الممثلة الفرنسية أديل إكزاركوبولوس إنه "لا يمكن أن يخاف الناس من خسارة وظائفهم فقط لأنهم عبّروا عن قلق جماعي".
وفي موازاة ذلك، شدّد خبراء قانونيون على أن "كانال+" تبقى خاضعة لالتزامات قانونية تفرض عليها حماية التعددية الإعلامية والثقافية، بموجب قانون حرية الاتصال الفرنسي الصادر عام 1986، والذي يلزم القنوات التلفزيونية بضمان تنوع الآراء والمدارس الفكرية، إضافة إلى الاستثمار في الإنتاجات الناطقة بالفرنسية والعمل مع شركات إنتاج مستقلة.
كما دخلت المنظمة الفرنسية للمنتجين المستقلين (SPI) على خط الأزمة، إذ ندّدت بتصريحات سعادة، ورأت أن أي محاولة لوضع أسماء العاملين في القطاع على "قوائم سوداء" تمثل "انتهاكاً مباشراً لحرية التعبير وتتناقض بوضوح مع القيم التي يفترض أن يدافع عنها القطاع السينمائي". وفي الوقت نفسه، شددت المنظمة على أن "كانال+" شكلت، طوال أربعة عقود، "ركيزة أساسية للسينما الفرنسية"، عبر دورها في تمويل أعمال متنوعة وتجريبية وطموحة، مؤكدة أن هذا الإرث "يمثل مصدر فخر مشترك للصناعة بأكملها". ودعت المنظمة المجموعة الإعلامية إلى "إثبات أن هذا الإرث المشترك يتقدم على التوترات الحالية"، فيما اقترحت جمعية المخرجين الفرنسيين (SRF)، التي تضم نحو 500 صانع أفلام، إطلاق وساطة بين الموقعين على العريضة وفرق العمل في "كانال+" لـ"إعادة بناء الثقة"، كما دعت الهيئة الفرنسية المنظمة للإعلام السمعي البصري "أركوم" جميع الأطراف إلى "خفض التوتر والانخراط في الحوار".
في المقابل، دافع بعض السينمائيين عن "كانال+"، بينهم الممثل والمخرج الفرنسي ماتيو كاسوفيتز الذي قال إنّ أي مخرج "لم يتعرض للرقابة من القناة عند تمويل أفلامه"، وأضاف: "أعتقد أن كانال+ تقوم بعمل جيد حالياً، وسيتوجب علينا رفع الصوت عندما تتوقف عن أداء دورها على نحوٍ صحيح، لكنها حتى الآن تقوم بذلك بصورة جيدة".
