حارس يمني يكافح لإنقاذ آخر معبد هندوسي في عدن
Civil
2 hours ago
share

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ (New Lines Magazine)

قضى أحمد عبد الجليل معظم سنوات حياته في رعاية دار للعبادة في مدينة عدن الساحلية بجنوب اليمن. ومع ذلك، فإن هذا المكان ليس أحد المساجد التي يرتادها المسلمون مثله بانتظام في جميع أنحاء البلاد، بل هو معبد هندوسي.

ويقع المعبد داخل كهف في سفوح جبل بركاني بوادي الخساف في منطقة كريتر التاريخية بعدن، وقد بُني قبل أكثر من 160 عاماً ليكون الأكبر من بين 11 معبداً هندوسياً ومعابد للسيخ (غوردوارا). ويبدو أن معبد الكهف في كريتر، والمعروف باسم “شري هينغلاج ماتاغي ماندير”، قد سُمي تيمناً بمعبد هندوسي يقع في مغارة جبلية على طول نهر هينغول في ما يُعرف اليوم بإقليم بلوشستان الباكستاني، وهو مكان يحظى بمكانة رفيعة لدى الهندوس والمسلمين على حد سواء. ومع ذلك، يُعرف معبد الكهف في كريتر بين السكان محلياً باسم “معبد البانيان” — وهم التجار الهندوس الغوجاراتيون.

وقد بُنيت معظم المعابد الهندوسية ومعابد السيخ في عدن خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث كان معبد الكهف في كريتر المعبد الوحيد المخصص لطقوس عبادة “البوجا”.

وعندما توقف الراهب والمفكر الهندوسي الشهير “سوامي فيفيكاناندا” في عدن وهو في طريقه إلى الولايات المتحدة عام 1899، زار المعبد. ونُقل عنه، بعد أن فتنته أجواء المكان، وصفه للمعبد بأنه “أسهم في إذكاء جذوة محبة الله في جميع أنحاء العالم”.

وفي ذلك الوقت، ساهمت دور العبادة الهندوسية في تشكيل مشهد ديني متنوع مفعم بالحيوية في عدن، تلك المدينة الساحلية الكوزموبوليتانية التي تعايش فيها المسلمون، والبانيان الهندوس، والبارسيون الزرادشتيون، والمسيحيون، واليهود في سلام؛ حيث كانت المساجد والمعابد والكنائس تُرتاد في وئام تام، وهو ماضٍ يُنظر إليه اليوم غالباً باعتباره “إرث عدن في التسامح”.

وعلى الرغم من إدراجها محلياً كمواقع تراثية، إلا أن بعض المعابد الهندوسية ومعابد السيخ تحولت إلى ركام بمرور الوقت، في حين تعرض بعضها الآخر للتخريب. وظل معبد الكهف في كريتر الصرح الأخير الصامد حتى وقت قريب؛ ففي أوائل عام 2015، كان لا يزال يفتح أبوابه لأبناء الجالية الهندية المقيمين في عدن ومناطق أخرى من اليمن. ولكن بعد ذلك بوقت قصير، لم يغلق المعبد أبوابه فحسب، بل بدأ يتداعى وينحدر نحو الخراب.

والآن، بعد أن بلغ من العمر 70 عاماً وقضى زهاء ثلاثة عقود في عمله كحارس للمكان، يكافح عبد الجليل لحماية ما تبقى منه. وقال لي بينما كنا نجلس نتبادل أطراف الحديث في باحة المعبد: “يجب أن أبقى هنا لحماية المكان، فلو غادرت الآن، لنهبوه حجراً حجراً”.

ومع ذلك، فإن جهوده الفردية قد لا تكون كافية للحفاظ على هذا الأثر الباقي من تاريخ عدن والهند على حد سواء. وتعد كريتر أقدم أحياء عدن، وهي منطقة صاغتها التجارة البحرية وشهدت وجوداً هندياً يسبق عهد الاستعمار البريطاني.

وتتميز كريتر، الرابضة في شبه جزيرة بركانية بجنوب الجزيرة العربية، بخليج أمامي يشبه حذوة الحصان يمتد داخل خليج عدن في المحيط الهندي، مما يجعلها واجهة بحرية محصنة طبيعياً عند ملتقى طرق التجارة البحرية الحيوية. وشهدت كريتر، باعتبارها مرفأً قديماً، صعود وسقوط العديد من القوى في العصور الوسطى. وقبل أكثر من 2000 عام، وتحديداً في عهد الإمبراطورية الرومانية، برزت كمركز تجاري يربط الشرق بالغرب عبر شبه القارة الهندية. وبعد سقوط روما، استمرت هذه الروابط التجارية في اكتساب أهمية متزايدة حتى عصر المماليك في مصر، الذين بدأ حكمهم في القرن الثالث عشر، قبل أن تتراجع مكانتها إثر اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح إلى الهند في أواخر القرن الخامس عشر.

ولكن حتى مع تراجع تلك الروابط التجارية، ظل الوجود الهندي ودور عبادتهم في عدن جلياً في القرن التالي. ويُقال إن معبداً للسيخ (غوردوارا) كان قائماً في كريتر عندما زار “غورو نانك” — مؤسس الديانة السيخية — عدن عام 1517 خلال جولته الرابعة من رحلاته الخارجية. وقد أقام المعلم الروحي الهندي بالقرب من قلعة صيرة لبضعة أيام، حيث كان يقع معبد السيخ. وكان المعبد كبيراً بما يكفي لرؤيته على بعد نصف ميل من المدينة أثناء السفر بالسفن.

بيد أنه بعد قرابة قرنين من الزمان، اتخذت الروابط التجارية بين عدن والهند شكلاً جديداً مع تصدر الأوروبيين للمشهد التجاري العالمي. ففي عام 1839، احتل البريطانيون مدينة عدن الساحلية وألحقوها بالهند البريطانية، حيث جرت إدارتها من بومباي على مدى الأعوام الـ 107 التالية. ومع تحول المدينة الساحلية إلى مستعمرة، نمت جالية تجارية هندية شكلت أكبر تجمع للمغتربين في المدينة (في حين كانت الجالية الأفريقية ثاني أكبر الجاليات). وغدت لغات مثل الغوجاراتية والمراثية والهندية شائعة الاستخدام. وباعتبارها محطة توقف للمسافرين، كثيراً ما كان يُنظر إلى عدن على أنها “الهند الصغيرة” و”مدينة هندية في شبه الجزيرة العربية”. ورغم نيل الهند استقلالها عام 1947، ظلت عدن مدينة مستعمرة تحت الحكم المباشر للتاج البريطاني، بيد أن الجالية الهندية حافظت على مكانتها كأكبر وجود للمغتربين في أحد أكثر موانئ العالم ازدحاماً (حيث كان ميناء عدن يحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد مرفأ نيويورك في خمسينيات القرن الماضي).

وصل عبد الجليل إلى عدن في أواخر العقد التالي، وكان حينها مراهقاً يحلم بحياة أفضل مما كانت عليه في مسقط رأسه بمحافظة تعز. وسرعان ما شهد سلسلة من الأحداث والتحولات السياسية التي صاغت تاريخ عدن الحديث؛ إذ غادر البريطانيون المدينة عام 1967 في خضم الكفاح اليمني من أجل الاستقلال. وكان البارسيون قلقين بشأن سلامة “الشعلة المقدسة” في معبد النار، ولكن في نوفمبر/ تشرين الثاني جرى نقلها بنجاح على متن طائرة استأجرتها الخطوط الجوية الهندية. وفي الشهر التالي، أصبحت مدينة عدن الساحلية عاصمة لأحدث دولة عربية في العالم — اليمن الجنوبي — تحت حكم نظام ماركسي. وتقلصت الجالية التجارية الهندية، إلا أن المدينة ظلت موطناً لشتات واسع من ذوي الأصول الهندية. ومن بين الـ 11 معبداً هندوسياً ومعبد سيخ في عدن، لم تبقَ سوى حفنة قليلة تفتح أبوابها، بما في ذلك معبد الكهف في كريتر — وذلك حتى عام 1990، عندما اتحد شمال اليمن وجنوبه تحت مظلة نظام ديمقراطي. وعقب الحرب الأهلية بين شطري اليمن بعد ذلك بأربعة أعوام، أصبح هذا المعبد هو الوحيد الصامد.

ومع مطلع الألفية الجديدة، بدأ عبد الجليل العمل كحارس لمعبد الكهف في كريتر. ولم تكن وظيفته الجديدة بالشيء الذي حلم بالقيام به، لكنها أحدثت تغييراً في حياته بعد عدة سنوات من العمل المضني كبائع متجول في الشوارع، وأتاحت له لاحقاً فرصة لبدء حياة جديدة. وعلى مر السنين، واصل الحفاظ على المعبد جاهزاً للجالية الهندية الكبيرة المقيمة في عدن وأنحاء أخرى من اليمن. وتمكن من بناء روابط قوية مع المجتمع المحلي، ليثبت أنه ليس مجرد حارس، بل صديق يُعتمد عليه أيضاً. كما تمكن من الحصول على منزل صغير في حي الخساف لتأسيس عائلته الخاصة.

وقال عبد الجليل: “كان الهنود يؤمون المعبد كل مساء جمعة، وفي نهاية كل شهر، كانت أعداد كبيرة منهم تجتمع لإقامة مأدبة. كانوا يأتون من أماكن مختلفة، ليس من عدن فحسب، بل من الحديدة وصنعاء أيضاً. وكانوا يطهون الطعام ويعدونه ويجلبون الفواكه معهم إلى هنا، ويتقاسمون ذلك مع السكان المحليين في الحي”.

وفي أوائل عام 2011، بدأت الأمور تتغير مع انزلاق الأوضاع في اليمن نحو الثورة ومن ثم الحرب الأهلية. ونُصح أفراد الجالية الهندية بالمغادرة وسط الاضطرابات التي أعقبت ثورة الربيع العربي في اليمن. وفي حين غادر الكثيرون، ظل معبد الكهف في كريتر مفتوحاً لمن اختاروا البقاء في البلاد — ولكن لبضع سنوات فقط. ففي أوائل عام 2015، اقتحم الحوثيون المعبد ودمروا التماثيل الدينية وأباحوا نهبه.

وفي مارس/ آذار من ذلك العام، وبعد أشهر قليلة من استيلائهم على السلطة في العاصمة اليمنية صنعاء، تقدم الحوثيون المدعومون من إيران نحو عدن، في وقت تراجع فيه الرئيس اليمني المخلوع عبد ربه منصور هادي إلى المدينة الساحلية. وسرعان ما حولت معركة دامية استمرت أربعة أشهر عدن إلى مدينة أشباح. وكانت غالبية أبناء الجالية الهندية في البلاد تعيش هناك؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 200 ألف نسمة من ذوي الأصول الهندية كانوا من بين سكان المدينة في ذلك الوقت.

وعندما وصل مقاتلو الحوثي إلى الخساف، لم يكن عبد الجليل هناك؛ إذ اضطر الحارس وعائلته إلى المغادرة حفاظاً على سلامتهم والتوجه إلى مكان آخر في عدن. وقال وهو يضبط نظارته الطبية: “كنا في مديرية الشيخ عثمان عندما جاء الحوثيون إلى الحي واقتحموا المعبد. وكان هناك رجل يعمل جندياً في الجيش يحرس المعبد وقت مغادرتنا”.

وأوضح عبد الجليل أنه أُبلغ لاحقاً بأن حوثيين مسلحين على متن ثلاث عربات عسكرية عريضة توجهوا إلى المعبد بحثاً عنه، قبل أن يدخلوه ويعيثوا فيه خراباً. وعقب حادثة الاقتحام الحوثية، اتصل ممثل عن الجالية الهندية بعبد الجليل هاتفياً للاطمئنان عليه. وأضاف: “عندما أخبرته بما حدث، أكد لي أن سلامتي هي الأهم. وكان ذلك آخر ما سمعته منهم”.

وفي أبريل/ نيسان، أطلقت الحكومة الهندية عملية “راحت” (Operation Raahat)، وهي جهود إجلاء استمرت 11 يوماً في اليمن. وجرى إجلاء أكثر من 5000 فرد من الجالية الهندية على متن سفن حربية عبر مينائي عدن والحديدة. واضطر عبد الجليل وعائلته إلى الفرار حفاظاً على سلامتهم، حيث أقاموا في محافظة إب حتى انتهى القتال في عدن.

وعندما عاد عبد الجليل إلى كريتر، قرر بناء كوخ صغير بجوار غرفة حراسة متهالكة عند بوابة المعبد في الفناء. ومنذ ذلك الحين، وهو يقيم هناك لحراسة المكان وصد اللصوص ونهابي الأراضي.

وعقب معركة عام 2015 في المدينة، سادت حالة من الانفلات الأمني واللاقانون، وتفشت ظاهرة النهب والاستيلاء على الأراضي. وفي العام التالي، ظهرت تقارير تفيد بأن أحد رجال الأعمال المرتبطين بالحوثيين كان يحاول الاستيلاء على موقع المعبد لبناء مركز تجاري (مول) مكانه. ثم جاء مالك ورشة إصلاح هياكل السيارات المجاورة، وحاول الاستيلاء على فناء المعبد الأمامي البالغة مساحته فداناً واحداً. وأدت جهود المقاومة التي أبداها عبد الجليل إلى دخول معترك قضائي طويل، وخسر صاحب الورشة القضية في نهاية المطاف.

بيد أنه في يناير/ كانون الثاني من هذا العام، ظهر أحد رجال الأعمال المحليين مدعياً ملكيته لذلك الفناء الأمامي، ومبرزاً صك ملكية. ووقف عبد الجليل، إلى جانب عدد من سكان الحي، معاً في وجه محاولته الأولى، لكن الحارس لا يزال بانتظار مواجهته في جولة حاسمة وأخيرة.

 

The post حارس يمني يكافح لإنقاذ آخر معبد هندوسي في عدن appeared first on يمن مونيتور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows